محمد بن عمر التونسي
80
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
أو يجلس للحكم ، يسمّون : كوركوا . ويرون أنّ ذلك من تمام نظام الملك ، حفظا للناموس ، وهيبة للمخدوم في قلوب رعاياه . فخدم [ الأب ] الشيخ محمد كرّا في تلك الخدمة مدة ، وظهرت منه علامات النجابة ، فأحبّه السلطان تيراب ، ونقله إلى « سوميندقله » ، والسّوم ، هو : الدّرا « 1 » ، و « ين » هو علامة الإضافة . و « الدّقله » هو العيال . ومعناه : در العيال . و « الدّرا » بلغتهم العربية : اسم للمحلّ أو الدار . وأهل « سوميندقله » هم الأمناء على مصالح المخدوم ، يرسلهم في أسراره . [ و ] رئيسهم ( 75 ) أعظم مقاما من رئيس كوركوا . فأغنى في خدمته ، حتى أنّ السلطان كان لا ينادى في أكثر حوائجه غيره . فحسده بعض أهل الدار ، فسعى به إلى السلطان قائلا « 2 » : إنّ محمد كرّا خائن غدّار ، وأنا أراه يجتمع هو وفلانة الحظيّة في كل ليلة ، وتأتيه بالطعام الجميل ! فغضب السلطان لذلك ، وهمّ بالبطش به . فبلغ الخبر إلى كرّا ، فأخذ مدية واختلى بنفسه في حجرة ، واستأصل مذاكير نفسه بيده ، وجاء بها إلى السلطان ، وكان قريبا منه ، وألقاها بين يديه وقال : إنّما قيل فىّ ما قيل لمصاحبتى لهذه ، وها أنا قد استأصلتها لئلّا يبقى في قلب مولاي منّى ريب . ثم سقط مغشيّا عليه . فرحمه السلطان وأمر بمداواته ، فعولج حتى برئ . ثم إن السلطان أمره أن يكون صحبة الأمين « 3 » على ود جامع أحد الوزراء
--> ( 1 ) في الأصل : الدار . ( 2 ) في الأصل : قائل . ( 3 ) كان مجلس السلطان أو فاشره يضم حوالي اثنى عشر وزيرا من بينهم الأمناء الأربعة أي الوزراء العظام ورئيسهم الأب الشيخ وهو الوزير الأعظم ( Balfour - Paul , V . G . op . cit P . I 8 ) ويبدو أنه كان لكل من أولئك الأمناء الأربعة -