جان لوئيس بوركهارت
22
ترحال في الجزيرة العربية
في تنظيف الأحواش ، وجلب الحطب من الجبال المجاورة ، وأهل جدة ومكة يعتمدون اعتمادا تاما على هؤلاء التكارنة في جلب ذلك الحطب ؛ نظرا لأن الفقراء من أهل جدة وأهل مكة لا يقومون بهذا العمل ، على الرغم من أن الواحد منهم قد يحصل على أربعة قروش كل يوم نظير القيام بهذه المهمة . في مكة يصنع هؤلاء التكارنة مدافئ أو وجارات صغيرة من الطين ، ( يسمونها كانون ) ويدهنونها باللونين الأصفر والأحمر ، والحجاج يشترون هذه المواقد ، أو بالأحرى الوجارات ، ويستعملونها في غلى أواني القهوة ، بعض ثالث من هؤلاء التكارنة يصنع سلالا صغيرة ، وحصيرا من سعف النخيل ، أو يقوم بإعداد وتحضير الشراب المسكر الذي يسمونه البوظة ، وبعض رابع من هؤلاء الزنوج يخدم في مجال السقاية ، بمعنى أنهم يعملون سقائين وجالبى مياه . خلاصة القول : إنه في حال الاحتياج إلى العمل اليدوى يجرى جلب تكرونى من السوق للقيام بهذا العمل . هؤلاء التكارنة إذا ما مرض أحدهم سهر رفاقه على رعايته وقسموا مصروفاته فيما بينهم . وأنا لم أر أحدا من هؤلاء التكارنة يستجدى الناس إحسانا ، اللهم إلا باستثناء الأيام الأولى لوصوله ، أي قبل تمكنه من الحصول على العمل . ومن مكة يسافر هؤلاء التكارنة إلى المدينة ( المنورة ) بطريق البحر من ميناء ينبع ، وفي المدينة المنورة يعمل هؤلاء الناس في جلب حطب الوقود أيضا . واقع الأمر ، أنهم يمكن أن يقعوا في حيص بيص إذا لم يتمكنوا من الحصول على خدمات الأعمال المضنية التي يقوم بها هؤلاء الزنوج . وقد استمر هؤلاء التكارنة في أداء فريضة الحج طوال فترة الغزو الوهابي ، ويقال إن سعود كان يقدر هؤلاء التكارنة تقديرا خاصا « * » . هؤلاء الزنوج يعودون بعد الحج وزيارات مكة إلى جدة ليستأنفوا العمل من جديد ، إلى أن تتهيأ لهم فرصة الإبحار إلى سواكن ؛ نظرا لأن قلة قليلة من هؤلاء الزنوج هم
--> ( * ) يقول المقريزي عن الخلفاء الذين أدوا الحج في العام 724 الهجري : إن ملكا زنجيا يدعى موسى وصل إلى القاهرة وهو في طريقه إلى مكة ، واستقبله قلاوون سلطان مصر استقبالا طيبا ، وكان بصحبة ذلك الملك - على حد قول المقريزي - أربعة عشر ألف أمة منتقاة .