جان لوئيس بوركهارت

23

ترحال في الجزيرة العربية

الذين يعودون عن طريق الحبشة ، وهم عندما يغادرون الحجاز تكون بحوزتهم جميعا مبالغ كبيرة ، وفروها عن طريق العمل ، ليشتروا بها بعض الأشياء الصغيرة ، أو يستعينون بها ، في أضعف الأحوال ، في إعاشة أنفسهم عندما يصلون إلى سواكن ، وبذلك تكون رحلة عودتهم أيسر من رحلة الذهاب التي لاقوا فيها مشقة كبيرة ، ثم يواصلون بعد ذلك مسيرهم إلى بلدانهم عن طريق شندى وكردفان . عدد كبير من هؤلاء الزنوج ينتشرون بعد أداء فريضة الحج في سائر أنحاء الجزيرة العربية ، ويزورون المسجد الأقصى في القدس ، أو مقام ( سيدنا ) إبراهيم في حبرون ، وبذلك يتغيب هؤلاء الزنوج عن أوطانهم سنوات طوال ، يعيشون خلالها على ناتج العمل الذي يؤدونه أو يقومون به . لقد غاب عن ذهن المحسنين تأسيس مؤسسة تعمل على تسهيل أداء هؤلاء الزنوج الفقراء لفريضة الحج وكذلك الهنود الفقراء ، أو حتى لتسهيل نقل هؤلاء الحجاج الفقراء عبر الخليج الفارسي إلى الحجاز ؛ هذا النقل لا يكلف الفقير سوى دولار واحد أو دولارين يشكلان عبئا ثقيلا على كل فقير من هؤلاء الفقراء من الزنوج أو الهنود . هؤلاء الحجاج الفقراء يصلون إلى موانئ الجانب الإفريقى من الخليج ، بعد أن يكونوا قد أنفقوا ذلك القليل الذي أخذوه معهم من أوطانهم ، أو يكون قد سرق منهم على الطريق أثناء الرحلة ، وعندما يكتشفون أو يجدون أنفسهم عاجزين عن كسب ما يمكنهم من دفع أجر عبور البحر الأحمر ، يضطرون إلى انتظار عودة رفاقهم الأثرياء من الحجاز ، ليقوموا بدفع أجر العبور بدلا عنهم على سبيل الإحسان . فقراء الهنود على العكس من ذلك تماما من حيث المظهر والمخبر ؛ وجوه هؤلاء الحجاج الهنود الفقراء توحى ببؤس لا يتصوره عقل ؛ إذ يبدو عليهم الضعف وفقدان الأمل . أجسام هؤلاء الهنود تبدو كأنها لا تقوى على تحمل مجرد لفحة الهواء ، وأصواتهم ضعيفة وخافتة وواهنة ، وهم جديرون بأن يرثى لهم الناس ، اللهم إلا إذا أثبتت الخبرة اليومية أنهم تنشرح صدورهم لظهورهم على هذا الحال ، الذي يضمن لهم الحصول على الصدقات من المحسنين وأهل الخير ، ويكفيهم مؤونة العمل والمشقة .