جان لوئيس بوركهارت
21
ترحال في الجزيرة العربية
النقود يدفعهم إلى بيع مقتنياتهم الصغيرة الثمينة بأسعار مخفضة وفي مزاد علني يضطرهم إلى قبول أسعار شديدة التدنى . الزنوج أو التكارنة ، كما يسميهم الناس هنا ، هم الوحيدون ، من بين كل الحجاج الفقراء الذين يصلون إلى الحجاز ، الذين لهم طابع في الشحاذة أكثر احتراما في هذا النوع من الصناعة ؛ هذا يعنى أن أفراد الطبقة الفقيرة من الهنود يتحولون إلى شحاذين عقب نزولهم إلى أرض جدة . كثير من السوريين والمصريين يمتهنون هذه المهنة نفسها ، لكن الزنوج لا ينحون هذا المنحى . وسبق أن قلت في تقرير من التقارير إن الزنوج ، أو بالأحرى التكارنة يصلون إلى الحجاز عن طريق المرافئ الثلاثة : مصوّع ، وسواكن ، والقصير . هؤلاء الزنوج الذين يأتون عن طريق سنار والحبشة إلى ميناء مصوع ، يكونون كلهم من الفقراء المعدمين . ومبلغ دولار واحد يكفى لنقل هؤلاء المعدمين من مصوّع إلى ساحل اليمن ، وهم غالبا ما ينزلون في ميناء الحديّدة . وفي الحديدة ينتظر أولئك الزنوج وصول أعداد كبيرة من أبناء جلدتهم ، لكي يشكل الجميع قافلة صغيرة ، ثم يبدءون بعد ذلك في الصعود إلى جبال اليمن ، الممتدة بطول الوديان الخصبة ، التي يسكنها عرب كرماء ، ويروحون يستجدونهم مصاريف الطريق إلى جدة أو مكة « * » . هؤلاء الفقراء المعدمين إذا ما أثرى الواحد منهم وأصبح في حوزته دولارين ، استطاع أن ينتقل بهما من مصوع إلى جدة مباشرة ، التي يلتقون فيها مع أبناء جلدتهم الذين يكونون قد وصلوا إلى جدة عن طريق كل من سواكن أو القصير . هؤلاء التكارنة يؤجرون أنفسهم فور وصولهم إلى جدة أو مكة ؛ بعض منهم يعمل شيّالا في نقل البضائع والقمح من السفن إلى المخازن ، وبعض آخر يعمل
--> ( * ) في العام 1813 الميلادي ، سلكت جماعة من هؤلاء التكارنة تقدر بحوالي ستين تكرونيا ، هذا الطريق نفسه ، وظن عرب هذه الجبال الذين هم من الوهابيين ، الذين شاهدوا مرارا العبيد السود بين الجنود الأتراك ، ظنوا أن الحجاج السود يعملون لحساب الأتراك ، ومنعا لهذه الجماعة من المرور دون التعرض لها ، أضلوا هؤلاء التكارنة عن طريقهم ، وقتلوا الكثيرين منهم .