جان لوئيس بوركهارت
9
ترحال في الجزيرة العربية
مكانة بوركهارت بين الباحثين في عالم البحث والباحثين ، وبخاصة فيما يتعلق بمن جاءوا بعد بوركهارت ، لا نجد اسما من بين أسماء أولئك الذين استكشفوا الجزيرة العربية ، يستحق الثناء والتقدير أكثر من اسم بوركهارت ، وهو لا يستحق كل هذا الثناء والتقدير على كبر اكتشافاته وزخمها ( على الرغم من ادعائه الأولوية في كثير من الأمور ) ، وإنما لأن ترحّل هذا الرجل غطى مساحة أقل من المساحة التي غطاها نيبور . لم يواجه بوركهارت أخطارا كبيرة ، ولم يواجه صعوبات غير مسبوقة ، ولم يدخل في مغامرات تثير الدهشة والعجب . كان إبراهيم بن عبد الله ( بوركهارت ) واحدا من تلك الجماعة الصغيرة صاحبة الحكمة الحكيمة ، وواحدا من أولئك الرحالة المستبصرين الذين يمضون فيما يفعلون بسهولة ويسر ، في الوقت الذي يكابد فيه رحالة آخرون المتاعب والمشاق ، ولا يعلمون شيئا عن اللحظات المثيرة في أرض يمكن أن تعمر بالمخاطر في أي وقت من الأوقات . وإبراهيم بن عبد الله هذا يشهد ويقر أنه لم ينعم بالسلام والطمأنينة إلا عندما كان في مكة ، كما يشهد ويقر أيضا أنه لم يلاق في الجزيرة العربية أحداثا أسوأ من الأحداث التي يمكن أن تقع لعابرى السبيل أو الحجاج العاديين في الحجاز ، ولولا الأمراض الكثيرة التي أصابت جسمه لسجل لنا ذلك الرجل رواية مثيرة . كان إبراهيم بن عبد الله ( بوركهارت ) ضليعا في الشريعة والأعراف الإسلامية ، ولم يكن ينكر أنه أوروبى ، ولكنه كان يدعى ادعاء منطقيا بأنه مرتد عن دينه ودخل في دين الإسلام منذ بضع سنين ، وأن الرجل لم يفعل في حياته اليومية أي شئ غير ذلك الذي يفعله أي رجل من الرجال المتعلمين المستنيرين أصحاب الدين ، كما كان الرجل يتكلم العربية بطلاقة ، وكانت لغته العربية سليمة ، يزاد على ذلك أن بوركهارت لم يهيئ الفرصة التي يمكن أن تمكن منه أيّا من الباشا المصري الذكي ، أو أهل المدينتين المقدستين الواعين المتنبهين ، أو أولئك المتشددين الذين يتجمعون في موسم الحج ، أو البدو الأجلاف الذين صادفهم على الطريق . بقي أن نقول أن بوركهارت كان يحكم على الأمور من وجة نظره الميثولوجية المحدودة وهذا ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار .