يوحنا النقيوسي

29

تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي

الفصل الثاني منهج يوحنا النقيوسى في الكتابة التاريخية علمنا مما سبق أن يوحنا النقيوسى كان أحد رجال الدين المسيحيين في مصر في القرن السابع الميلادي ومستهل القرن الثامن الميلادي ، الأمر الذي أضاء السبيل للتعرف على السمات الرئيسية في منهجه من تدوين التاريخ ، فمما لا شك فيه أنه تأثر بالتيارات الجارية في عصره ، من حيث تأثير الفكر المسيحي في كتابة التاريخ من جهة ، وتقاليد الكتابة التاريخية آنذاك من جهة أخرى . إذ كان من نتائج انتصار المسيحية على الوثنية أن جاءت المسيحية بتغيرات في مفاهيم الكتابة التاريخية وفي الأفكار التي تنير السبيل إلى هذه الكتابة ، حيث رفضت المسيحية الثقافة الوثنية ، إذ اعتبرتها من نتاج الشيطان ، كما اعتبرت الكتابات التاريخية للوثنيين في درجة أقل احتراما من كتابات اليهود في العهد القديم ، وصارت العملية التاريخية بالنسبة للمؤرخين المسيحيين الأول جزءا من عملية كونية المشتركون الرئيسيون فيها هما الله والإنسان ، فهي بالنسبة لهم ملحمة سماوية تمتد منذ الخليقة حتى الانفصال النهائي بين الخير والشر يوم القيامة . وقد اعتبر هؤلاء العملية التاريخية بمثابة المظهر العملي للصراع الكوني بين قوات الخير متمثلة في جماعة المؤمنين المختارين من رب العبريين والمسيحيين ، وقوات الشر متمثلة في الوثنيين السابقين والمعاصرين ، والنتيجة النهائية هي الانتصار العظيم لقوات الخير والهزيمة الكاملة لقوات الشر « 1 » . فالمسيحية ليست البداية ولكنها فصل من فصول الرواية التي تبدأ بالعهد القديم ولا سيما بسفر التكوين الذي يحكى قصة الخلق ، ثم ترد قصته عن المسيح وحوارييه لتمثل العهد الجديد ، وبعدها يلعب القديسون والقديسات دورهم في هداية البشر وحمايتهم . وقد ظل التاريخ الكنسى جنبا إلى جنب مع التاريخ العلمانى ، ولم يستطع مؤرخو العصور الوسطى الفصل بينهما ، وبقي التاريخ الكنسى مرتبطا بالتاريخ العلمانى ويزداد هذا الارتباط كلما زادت سطوة الكنيسة على الشؤون العلمانية . « 2 »

--> ( 1 ) Harry Elmer , pp . 41 - 43 . ( 2 ) بيريل سمالى ، المؤرخون في العصور الوسطى ، ترجمة : قاسم عبده قاسم ، دار المعارف ، 1978 م ، ص 55 ، ص 235 ، ص 236 .