أحمد بن عميرة المخزومي
82
تاريخ ميورقه
وما زالوا يظهرون عنده على ذلك شبها ، ويغرونه بالقوم ظلما وسفها ، وحرصا إلى أموالهم وشرهًا « 1 » ، حتى غلبوا صبره ، وأوغروا صدره « 2 » ، وقالوا له يوما إنّا وترنا أعظم الترة ، وأصبنا بالمصيبة الظاهرة غير المستترة ، فأقر عيون أعياننا ، وأعطنا أجناد الأندلس لنقتلهم بإخواننا ، فقال ليس هذا من شأني ، ولا آخذ البريء بذنب الجاني ، وكيف أجري هذا المجرى ، والله يقول " وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى " « 3 » . فأعادوا الرغبة حتى أيأسهم ، وأظهر أنّه يكره مجلسهم ، فقاموا عنه غير راضين ، وما زالوا على الإيحاش له ماضين « 4 » ، حتى احتجب عن الناس ، وبالغ في الاحتراس ، وأجلس أحد بنيه للأحكام وهو حدث معجب « 5 » ، وعذيق لا مرجّب « 6 » ، فساءت الأحوال ، وابتدأ الزلزال « 7 » ، ورحل الحاضر
--> ( 1 ) الشّره : أسوأ الحرص ، وهو غلبة الحرص . شره شرها فهو شره وشرهان . ورجل شره : شرهان النفس حريص . ويقال : شره فلان إلى الطعام يشره شرها إذا اشتدّ حرصه عليه . لسان العرب ، ج 13 ، ص 506 . ( 2 ) كناية عن موصوف لأنّ المقصود هنا قلبه . ( 3 ) سورة فاطر ، الآية رقم : 18 . ( 4 ) جناس ناقص بين " راضين وماضين " . ( 5 ) العجب : الزّهو . ورجل معجب : مزهو بما يكون منه حسنا أو قبيحا ، فهو معجب برأيه وبنفسه . لسان العرب ، ج 1 ، ص 582 . ( 6 ) العذيق تصغير عذق بالفتح ، وهو كل غصن له شعب ، ويطلق على النخلة عند أهل الحجاز . والمرجب من الترجيب وهو أن تدعم النخلة أو الشجرة وتعمد إذا خيف عليها أن تقع لطولها وكثرة حملها . أما بالنسبة للرجل فهو التعظيم . ومن ذلك قول الحباب بن المنذر : " . . . أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب " . وهذا تصغير يراد به التعظيم والتكبير . وقد صارت كلمة الحباب مثلا يضرب للرجل الذي يستشفى برأيه وعقله . ولكن النص هنا يفيد التعريض والانتقاص من شأن هذا الابن . الميداني ، مجمع الأمثال ج 1 ، ص 45 . لسان العرب ، ج 1 ، ص 412 ، وج 10 ، ص 238 . ابن هشام ، السيرة النبوية ، ج 4 ، ص 310 . ( 7 ) كناية عن بداية التصدّع الدّاخلي للميورقيين .