يزيد بن محمد الأزدي

8

تاريخ الموصل

ودخلت سنة ثلاثين ومائتين وفيها وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة ، وقيل : إن سبب ذلك أن كان من بنى سليم تطاول على الناس حول المدينة بالشر ، وكانوا إذا وردوا سوقا من أسواق الحجاز ، أخذوا سعرها كيف شاءوا ، ثم ترقى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالحجاز بناس من بنى كنانة وباهلة ، فأصابوهم وقتلوا بعضهم ، وذلك في جمادى الآخرة ، وكان رأسهم : عزيزة بن قطّاب السلمى ، فوجه إليهم محمد بن صالح بن العباس الهاشمي ، وهو يومئذ عامل المدينة ، حماد بن جرير الطبري ، وكان الواثق وجه حمادا مسلحة للمدينة - لئلا يتطرقها الأعراب - في مائتي فارس من الشاكرية ، فتوجه إليهم حماد في جماعة من الجند ، ومن تطوع للخروج من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة ؛ فسار إليهم فلقيته طلائعهم . وكانت بنو سليم كارهة للقتال ، فأمر حماد بن جرير بقتالهم ، وحمل عليهم بموضع يقال له : الرويثة من المدينة على ثلاث مراحل ، وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاءوا من البادية في ستمائة وخمسين ، وعامة من لقيهم من بنى عوف من بنى سليم ، ومعهم أشهب بن دويكل بن يحيى بن حمير العوفي ، وعمه سلمة بن يحيى وعزيزة بن قطاب اللبيدى من بنى لبيد بن سليم ، فكان هؤلاء قوادهم ، وكانت خيلهم مائة وخمسين فرسا فقاتلهم حماد وأصحابه ، ثم أتت بنى سليم أمدادها : خمسمائة من موضع فيه بدوهم ، وهو موضع يسمى أعلى الرويثة ، بينها وبين موضع القتال أربعة أميال ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزمت سودان المدينة بالناس ؛ وثبت حماد وأصحابه وقريش والأنصار ، فصلوا بالقتال حتى قتل حماد وعامة أصحابه ، وقتل ممن ثبت من قريش والأنصار عدد صالح ، وحازت بنو سليم الكراع والسلاح والثياب ، وغلظ أمر بنى سليم ، فاستباحت القرى والمناهل ، فيما بينها وبين مكة والمدينة ؛ حتى لم يمكن أحدا أن يسلك ذلك الطريق ، وتطرقوا من يليهم من قبائل العرب . فوجه إليهم الواثق بغا الكبير - أبا موسى التركي - في الشاكرية والأتراك والمغاربة ، فقدمها بغا في شعبان سنة ثلاثين ومائتين ، وشخص إلى حرة بنى سليم ، لأيام بقين من شعبان ، وعلى مقدمته طردوش التركي ، فلقيهم ببعض مياه للحرة ، وكانت الوقعة بشق الحرة من وراء السوارقية ، وهي قريتهم التي كانوا يأوون إليها - والسوارقية حصون - وكان جل من لقيه منهم من بنى عوف فيهم عزيزة بن قطاب والأشهب - وهما رأسا القواد يومئذ - فقتل بغا منهم نحوا من خمسين رجلا ، وأسر مثلهم ؛ فانهزم الباقون ، وانكشف