يزيد بن محمد الأزدي

264

تاريخ الموصل

الدفائن . وبعث بجكم إلى سنان بن ثابت الطبيب بعد موت الراضي ، وسأله أن ينحدر إليه إلى واسط ، فانحدر إليه فأكرمه وقال له : إني أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني ، وفي أمر آخر هو أحب إلى من أمر بدني ، وهو أمر أخلاقي ؛ لثقتى بعقلك ودينك ؛ فقد غمتنى غلبة الغضب والغيظ وإفراطهما فىّ حتى أخرج إلى ما أندم عليه عند سكونهما من ضرب وقتل ، وأنا أسألك أن تتفقد لي ما أعمله ، فإذا وفقت لي على عيب لم تحتشم أن تصدقني عنه وتنبهنى عليه ، ثم ترشدنى إلى علاجه . فقال له : السمع والطاعة ، أنا أفعل ذلك ، ولكن يسمع الأمير منى بالعاجل جملة علاج ما أنكره من نفسه إلى أن آتى بالتفصيل في أوقاته : اعلم - أيها الأمير - أنك قد أصبحت وليس فوق يدك يد لأحد من المخلوقين ، وأنك مالك لكل ما تريده ، قادر على أن تفعله أي وقت أردته ، لا يتهيأ لأحد من المخلوقين منعك منه ، ولا أن يحول بينك وبين ما تهواه أي وقت أردت ، واعلم أن الغيظ والغضب يحدث في الإنسان سكرا أشد من سكر النبيذ بكثير ، فكما أن الإنسان يفعل في وقت السكر من النبيذ ما لا يعقل به ولا يذكره إذا صحا ، ويندم عليه إذا حدث به ، ويستحى منه ؛ كذلك يحدث له في وقت السكر من الغيظ ، بل أشد ، فإذا ابتدأ بك الغضب فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد ، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله ؛ فإنك إذا بت ليلتك سكنت فورة غضبك ، وقد قيل : أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره . فإذا صحوت من غضبك فتأمل الأمر الذي أغضبك ، وقدم أمر الله - عز وجل - أولا ، والخوف منه وترك التعرض لسخطه ، واشف غيظك بما لا يؤثمك ؛ فقد قيل : ما شفى غيظه من أثم ، واذكر قدرة الله عليك ؛ فإنك تحتاج إلى رحمته وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك ، فكما تحب أن يغفر لك ، كذلك غيرك يحب أن تعفو عنه . واذكر أي ليلة بات المذنب قلقا ؛ لخوفه منك وما يتوقعه من عقوبتك ، واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور بزوال الرعب عنه ، ومقدار الثواب الذي يحصل لك بذلك ، واذكر قوله تعالى : أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور : 22 ] وإنما يشتد عليك ذلك مرتين أو ثلاثا ، ثم تصير عادة لك وخلقا ؛ فيسهل . فابتدأ بجكم فعمل بما قال له ، وعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة ، وببغداد مارستان ، ورفق بالرعية إلا أن مدته لم تطل « 1 » .

--> ( 1 ) ينظر : المنتظم ( 14 / 9 - 12 ) .