يزيد بن محمد الأزدي

240

تاريخ الموصل

المعتضد ، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق النّاس ، ولست أبرّئكم ولا أحلّكم منها ، فقوموا ، فقاموا ، فلما بعدوا قال القاضي لطريف : وأي شيء كان مجيئنا إلى رجل هذا اعتقاده ؟ فقطب علي بن عيسى وقال : يخلع ولا يفكّر فيه ؛ أفعاله مشهورة . قال القاضي أبو الحسين : فدخلت على الراضي وأعدت ما جرى سرّا ، وأعلمته بأنّى أرى إمامته فرضا . فقال : انصرف ودعني وإيّاه . وأشار سيما مقدّم الحجريّة على الرّاضى بسملة ، فأرسل سيما وطريفا إلى البيت الذي فيه القاهر ، فكحّل بمسمار محمّى . ثمّ طلب الرّاضى من علي بن عيسى أن يلي الوزارة ، فامتنع ، فقال : يتولّى أخوك عبد الرحمن ، فقال : لا ، فاستوزر ابن مقلة بعد أن كتب له أمانا . وقال محمود الأصبهاني : كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدّماء . فامتنع عليهم من الخلع فسملوا عينيه حتّى سالتا على خدّيه . وكانت خلافته سنة ونصفا وأسبوعا . وقال الصّولى : كان أهوج ، سفّاكا للدّماء ، قبيح السّيرة ، كثيرة التّلوّن والاستحالة ، مدمن الخمر . ولولا جودة حاجبه « سلامة » لأهلك الحرث والنّسل . وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانا « 1 » . وقال المسعودي : أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه أموالا كثيرة ، فلمّا خلع وسمل طولب بها فأنكر ؛ فعذّب بأنواع العذاب ، فلم يقرّ بشيء . فأخذه الراضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له : قد ترى مطالبة الجند بالمال ، وليس عندي شيء ، والذي عندك ليس بنافع لك ، فاعترف به . فقال : أمّا إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان - وكان قد أنشأ بستانا فيه أصناف الشجر حملت إليه من البلاد ، وزخرفه وعمل فيه قصرا ، وكان الرّاضى مغرما بالبستان والقصر - فقال : وفي أي مكان المال منه ؟ فقال : أنا مكفوف لا أهتدى إلى مكان ، فاحفر البستان تجده . فحفر الراضي البستان وأساسات القصر ، وقلع الشجر ، فلم يجد شيئا . فقال له : وأين المال ؟ فقال : وهل عندي مال ، وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك ، فأردت أن أفجعك فيه ، فندم الراضي وأبعده وحبسه ، فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين . ثمّ أخرج إلى دار ابن طاهر ، فكان تارة يحبس ، وتارة يطلق ، فوقف يوما بجامع المنصور بين الصّفوف وعليه مبطنة بيضاء وقال : تصدّقوا على ، فأنا من قد عرفتم . وكان

--> ( 1 ) ينظر : تاريخ الإسلام للذهبي حوادث 322 ص ( 15 - 17 ) .