يزيد بن محمد الأزدي
207
تاريخ الموصل
فقتل ، وأسر ، وأرسل إلى بغداد نيّفا وثمانين أسيرا ، فشهروا « 1 » . وفي شهر ربيع الآخر لقب مؤنس « المظفر » ، وأنشئت الكتب بذلك عن المقتدر إلى أمراء النواحي ، وعقد له في جمادى الأولى على مصر والشام ، وخلع على أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان ، وقلده أعمال الحرب وطريق مكة . وفيه ابتدئ بهدم باب دار علي بن الجهشيار ببغداد في الفرضة ، وكان هذا الباب علما ببغداد في العلو والحسن . وفي رمضان كبس اللصوص منزل أبى عيسى الناقد الصيرفي ، فأخذوا له عينا ، وورقا وأثاثا قيمته ثلاثون ألف دينار ، ثم وقعوا على اللصوص - وهم سبعة - فارتجع من المال اثنان وعشرون ألف دينار ثم قتلوا . وفي ذي القعدة أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري دار علىّ بن عيسى لمناظرة الحنابلة ، فحضر ولم يحضروا ، فعاد إلى منزله ، وكانوا قد نقموا عليه أشياء . وفي هذه السنة أهدى الوزير حامد بن العباس إلى المقتدر البستان المعروف بالناعورة ، بناه له وأنفق على بنائه مائة ألف دينار ، وعلق على المجالس التي فيه الستائر ، وفرشه باللبود الخراسانية ثم أهداه « 2 » . وفيها قتل الحسين بن منصور الحلاج الصوفي وأحرق ، وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف ويظهر الكرامات ، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ، ويمد يده إلى الهواء فيعيدها مملوءة دراهم مكتوب عليها : قل هو الله أحد ، ويسميها : دراهم القدرة ، ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم ، ويتكلم بما في ضمائرهم ، فافتتن به خلق كثير ، واعتقدوا فيه الحلول . وبالجملة : فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح - عليه السلام - فمن قائل : إنه حل فيه جزء إلهي ، ويدعى فيه الربوبية ، ومن قائل : إنه ولى الله تعالى ، وإن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين ، ومن قائل : إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن ، والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها ، وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفا ، وكان يصوم الدهر ، فإذا جاء العشاء أحضر له القوام كوز ماء وقرصا فيشربه ، ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبها ، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه ، ولا يأكل شيئا آخر إلى الغد آخر النهار .
--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 8 / 129 ) . ( 2 ) ينظر : المنتظم ( 13 / 199 ، 200 ) .