يزيد بن محمد الأزدي
208
تاريخ الموصل
وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي ، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاج ، فلم يجده في الحجر ، وقيل له : قد صعد إلى جبل أبى قبيس ، فصعد إليه فرآه على صخرة حافيا مكشوف الرأس ، والعرق يجرى منه إلى الأرض ، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه ، فقال : هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله ، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته ، وعاد الحسين إلى بغداد . وأما سبب قتله ، فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد بن العباس أنه أحيا جماعة ، وأنه يحيى الموتى ، وأن الجن يخدمونه ، وأنهم يحضرون عنده ما يشتهى ، وأنه قد موّه على جماعة من حواشي الخليفة ، وأن نصرا الحاجب قد مال إليه وغيره فالتمس حامد الوزير من المقتدر بالله أن يسلم إليه الحلاج وأصحابه ، فدفع عنه نصر الحاجب ، فألح الوزير ، فأمر المقتدر بتسليمه إليه ، فأخذه وأخذ معه إنسان يعرف بالشمرى وغيره ، قيل : إنهم يعتقدون أنه إله ، فقررهم فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله ، وأنه يحيى الموتى ، وقابلوا الحلاج على ذلك ، فأنكره وقال : أعوذ بالله أن أدعى الربوبية أو النبوة ، وإنما أنا رجل أعبد الله - عز وجل - فأحضر حامد القاضي أبا عمرو والقاضي أبا جعفر ابن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود ، فاستفتاهم فقالوا : لا يفتى في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله ، ولا يجوز قبول قول من يدعى عليه ما ادعاه إلا ببينة أو إقرار . وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه ، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة ، وطال الأمر على ذلك وحامد الوزير مجدّ في أمره ، وجرى له معه قصص يطول شرحها ، وفي آخرها أن الوزير رأى له كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات ، ولا يدخله أحد ، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة ، ثم يجمع ثلاثين يتيما ويعمل أجود طعام يمكنه ، ويطعمهم في ذلك البيت ويخدمهم بنفسه ، فإذا فرغوا كساهم وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم ، فإذا فعل ذلك كان كمن حج . فلما قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاج : من أين لك هذا ؟ ! قال : من كتاب « الإخلاص » للحسن البصري ، قال له القاضي : كذبت يا حلال الدم ؛ قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا ، فلما قال له : يا حلال الدم ، وسمعها الوزير ، قال له : اكتب بهذا ، فدافعه أبو عمرو فألزمه حامد ، فكتب بإباحة دمه ، وكتب بعده من حضر المجلس ، ولما سمع الحلاج ذلك قال : ما يحل لكم دمى ؛ واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ، ولى فيها كتب موجودة ! فالله الله في دمى ! ! وتفرق