يزيد بن محمد الأزدي
693
تاريخ الموصل
المعتصم أن العباس بن المأمون قد دعا إلى نفسه وأن عجيف بن عنبسة قد بايعه - وكان على حرس المعتصم - وبايعه جماعة معه وقد أجمعوا على قتال المعتصم « 1 » والفتك به ، فأعجله ذلك ورحل ، فخلا بالعباس بن المأمون فسقاه الشراب حتى غير رأيه
--> - كان يقاتل أمس غيركم ، انصرفوا إلى مضاربكم ، فلما انصرف الفرغاني وأحمد بن الخليل ، قال أحدهما للآخر : ألا ترى إلى هذا العبد ابن الفاعلة - يعنى أشناس - ما صنع اليوم ؟ أليس الدخول إلى الروم أهون من هذا ؟ فقال الفرغاني لأحمد - وكان عنده علم من العباس بن المأمون - : سيكفيك الله أمره عن قريب فألح أحمد عليه فأخبره ، فأشار عليه أن يأتي العباس فيكون في أصحابه ، فقال أحمد : هذا أمر أظنه لا يتم ، قال الفرغاني : قد تم وأرشده إلى الحارث السمرقندي فأتاه فرفع الحارث خبره إلى العباس فكره العباس أن يعلم بشيء من أمره فأمسكوا عنه ، فلما كان اليوم الثالث كان الحرب على أصحاب المعتصم ومعهم المغاربة والأتراك وكان القيم بذلك إيتاخ فقاتلوا وأحسنوا واتسع لهم هدم السور فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت الجراحات في الروم ، وكان بطارقة الروم قد اقتسموا أبراج السور وكان البطريق الموكل بهذه الناحية وندوا وتفسيره : ثور ، فقاتل ذلك اليوم قتالا شديدا وفي الأيام قبله ، ولم يمده ناطس ولا غيره بأحد فلما كان الليل مشى وندوا إلى الروم فقال إن الحرب على وعلى أصحابي ولم يبق معي أحد إلا جرح ؛ فصيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلا وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه بأحد ، وقالوا : لانمدك ولا تمدنا ، فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم يسألونه الأمان على الذرية ، ويسلمون إليه الحصن بما فيه . فلما أصبح وكل أصحابه بجانبي الثلمة أمرهم ألّا يحاربوا ، وقال : أريد الخروج إلى المعتصم ، فخرج إليه فصار بين يديه والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون لا تخشوا وهم يتقدمون ، ووندوا جالس عند المعتصم فأركبه فرسا وتقدم الناس حتى صاروا في الثلمة ، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم يومئ إلى المسلمين بالدخول ، فدخل الناس المدينة فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته ، فقال له المعتصم : ما لك ؟ قال : جئت أسمع كلامك فغدرت بي ، قال المعتصم : كل شيء تريده فهو لك ولست أخالفك ، قال : أيش تخالفنى وقد دخل الناس المدينة ، وسار طائفة كبيرة من الروم إلى كنيسة كبيرة لهم فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا كلهم ، وكان ناطس في برجه حوله أصحابه ، فركب المعتصم ووقف مقابل ناطس ، فقيل له : يا ناطس هذا أمير المؤمنين ، فظهر من البرج وعليه سيف فنحاه عنه ، ونزل حتى وقف بين يديه فضربه سوطا وسار المعتصم إلى مضربه وقال : هاتوه فمشى قليلا فأمر بحمله ، وأخذ السيف الروم . وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه ، فأمر المعتصم أن يعزل منهم أهل الشرف ونقل من سواهم ، وأمر ببيع المغانم في عدة مواضع فبيع منها في أكثر من خمسة أيام وأمر بالباقي فأحرق وكان لا ينادى على شيء أكثر من ثلاثة أصوات ثم يوجب بيعه طلبا للسرعة ، وكان ينادى على الرقيق خمسة خمسة عشرة عشرة طلبا للسرعة ولما كان في بعض أيام بيع المغانم ، وهو الذي كان عجيف وعد الناس أن يثور فيه بالمعتصم - على ما نذكره - وثب الناس على المغانم ؛ فركب المعتصم والسيف في يده وسار ركضا نحوهم فتنحوا عنه وكفوا عن النهب ، فرجع إلى مضربه وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت ، وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان ، وأقام عليها خمسة وخمسين يوما ، وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس . ينظر : الكامل ( 6 / 480 - 488 ) . ( 1 ) في المخطوطة : على القتال للمعتصم ، وهو تحريف .