يزيد بن محمد الأزدي
68
تاريخ الموصل
فلما قرأ معاوية الكتاب ، كتب إليه : أما بعد ، فإني لم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تباعد فأعدك حربا ، وليس مثلي ينخدع ومعه عدد الرجال ، وبيده أعنة الخيل ! فلما قرأ كتاب معاوية ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة ، كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان : أما بعد ، فالعجب العجيب من اغترارك وطمعك في أن تسومنى للخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة ، وأقولهم للحق وأقربهم من رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، وتأمرني بالدخول في طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا ، وقولك : إني مالئ عليك مصر خيلا ورجلا ، فوالله لأشغلنك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك ، إنك لذو جد ، والسلام . فلما أتى معاوية كتاب قيس أيس منه وثقل عليه مكانه . قال الزهري : كان معاوية وعمرو بن العاص جاهدين أن يخرجا قيسا من مصر ليغلبا عليها ، وكان قد امتنع منهما بالدهاء والمكايدة ، فلم يقدرا عليه حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل علىّ ، فكان معاوية يقول : ما ابتدعت مكايدة قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيسا من قبل علىّ ، فكتبت إلى أهل الشام : لا تسبوا قيسا ؛ فإنه لنا شيعة تأتينا كتبه ونصيحته سرا ، ألا ترونه يحسن إلى كل راكب منكم ؟ ! ألا ترون ما يفعل بإخوانكم من أهل خربتا ؟ ! يجرى عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ، فبلغ ذلك عليا ؛ فاتهم قيسا ، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا - وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف - فأبى وكتب إلى علىّ : إنهم وجوه أهل مصر ، وقد رضوا منى أن أؤمن سربهم ، وأجرى عليهم أعطياتهم ، وقد علمت أن هواهم مع معاوية ، فأبى علىّ - رضي الله عنه - إلا قتالهم ، وأبى قيس أن يقاتلهم ، وكتب إلى علىّ : إن كنت تتهمني فاعزلنى عن عملك ، وابعث عليه غيرى ؛ فبعث الأشتر إلى مصر أميرا عليها ، حتى إذا صار بالقلزم سقى شربة عسل فيها سم كان فيها حتفه ، فلما بلغ عليا وفاة الأشتر بالقلزم ، بعث محمد بن أبي بكر أميرا على مصر ، هذا قول الزهري . وقال هشام بن محمد : إنما بعث الأشتر بعد هلاك محمد بن أبي بكر ، ولما جاء عليا مقتل محمد بن أبي بكر علم أن قيسا كان ينصحه ، فأطاعه في كل شئ . قال علماء السير : وكان علىّ - رضي الله عنه - قد كتب عهد محمد بن أبي بكر لغرة رمضان ، فلم يلبث محمد شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك الذين كان قيس وادعهم ، وقال : يا هؤلاء ، إما أن تدخلوا في طاعتنا ، وإما أن تخرجوا من بلادنا ؛ فبعثوا إليه : دعنا حتى ننظر ، فأبى ، وبعث إليهم رجلا فقتلوه ، ثم بعث آخر فقتلوه .