يزيد بن محمد الأزدي
658
تاريخ الموصل
إسحاق بن إبراهيم أن يشهر أمرهم ويشهد عليهم « 1 » ، وامتنع أحمد بن حنبل ومحمد بن
--> ( 1 ) فشهر إسحاق بن إبراهيم أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث ، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون ، فخلى سبيلهم . ثم كتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم : أما بعد ، فإن من حق الله على خلفائه في أرضه ، وأمنائه على عباده الذين ارتضاهم لإقامة دينه وحملهم رعاية خلقه وإمضاء حكمه وسننه والائتمام بعدله في بريته - أن يجهدوا لله أنفسهم وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم ، ويدلوا عليه تبارك اسمه وتعالى بفضل العلم الذي أودعهم والمعرفة التي جعلها فيهم ويهدوا إليه من زاغ عنه ويردوا من أدبر عن أمره ، وينهجوا لرعاياهم سمت نجاتهم ويقفوهم على حدود إيمانهم وسبيل فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم مغطيات أمورهم ومشتبهاتها عليهم بما يدفعون الريب عنهم ، ويعود بالضياء والبينة على كافتهم وأن يؤثروا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم إذ كان جامعا لفنون مصانعهم ومنتظما لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم ويتذاكروا ما الله مرصد من مساءلتهم عما حملوه ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا عنده وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده وحسبه الله وكفى به ، ومما بينه أمير المؤمنين برويته وطالعه بفكره فتبين عظيم خطره وجليل ما يرجع في الدين من وكفه وضرره ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذي جعله الله إماما لهم وأثرا - من رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وصفيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم - باقيا لهم ، واشتباهه على كثير منهم حتى حسن عندهم وتزين في عقولهم ألا يكون مخلوقا فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه وتفرد بجلالته من ابتداع الأشياء كلها بحكمته ، وإنشائها بقدرته ، والتقدم عليها بأوليته التي لا يبلغ أولاها ولا يدرك مداها ، وكان كل شئ دونه خلقا من خلقه ، وحدثا هو المحدث له وإن كان القرآن ناطقا به ودالّا عليه وقاطعا للاختلاف فيه وضاهوا به قول النصارى في دعائهم في عيسى ابن مريم إنه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله والله - عز وجل يقول : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جل جلاله : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها وقال : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً . وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فسوى - عز وجل - بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها في شية الصنعة وأخبر أنه جاعله وحده فقال بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ولا يحاط إلا بمخلوق وقال لنبيه : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وقال : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ وقال : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى فسمى الله تعالى القرآن قرآنا ، وذكرا وإيمانا ، ونورا وهدى ، ومباركا وعربيا ، وقصصا فقال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وقال : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وقال : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وقال : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فجعل له أولا وآخرا ودل عليه أنه محدود مخلوق وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم والحرج في أمانتهم وسهلوا السبيل لعدو الإسلام واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم حتى عرفوا ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده وشبهوه به والاشتباه أولى بخلقه وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين ولا نصيبا من الإيمان واليقين ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية ولا تولية لشئ من أمر الرعية وإن ظهر قصد بعضهم وعرف بالسداد مسدد فيهم فإن الفروع مردودة إلى أصولها ومحمولة في الحمد والذم عليها ومن كان جاهلا بأمر دينه الذي -