يزيد بن محمد الأزدي
452
تاريخ الموصل
أشافهه فيها وقال لي : أعف لحيتك في سفرك هذا ، والله لئن جئتني وقد نتفت منها طاقة لأقطعن يدك ، قال : « ففعلت » - وكان مولعا بلحيته - فلما دخلت دمشق [ دخلت ] « 1 » المتوضأ فخلوت بنفسي أدرس الرسالة وأقول : إن قال لي كذا قلت كذا ، وسهوت عن الوصية وأقبلت على لحيتي أنتفها وألقيها بين يدي ، فأقلعت وقد أتيت عليها أجمع ، فصحت بغلامى وأمرته بغسلها وجمعها وشددتها في منديل صغير وخرجت فلبست ثيابي وأخذت المنديل معي في كمي وصرت إلى باب هشام ، فأذن لي فأديت الرسالة إليه وأجازنى ، فلما أردت مفارقته قلت : « أنا بالله وبك يا أمير المؤمنين من خالد » قال : وما لك وله ؟ ففتحت الصرة وأريته إياها وخبرته الخبر ، فأمر بالكتاب إلى خالد ، « قد أجرت عليك عبد الله بن عباس بما كنت أوعدته من نتف لحيته ، فأعطى الله عهدا لئن أثرت فيه أثرا بعقوبة لأقتصن له منك والسلام » فقدمت على خالد فقال : ما هذا ؟ قبل أن يسألني عن الرسالة قلت : « جوابك في هذا الكتاب » فقرأه فقال : « أولى لك » « 2 » ثم سألني عن الرسالة فأديتها ، فضحك المنصور حتى استلقى على قفاه . وبلغني أن معن بن زائدة لما قدم اليمن بعث إلى عبد الله بن عباس بجملة دنانير وثياب فقال : « بعثت إليك بهذا لتبيعنى دينك » قال : « قد بعتكه إلا التوحيد لعلمي بزهدك فيه » . ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة « 3 » فيها أطلق المهدى من كان في الحبوس الأوائل ، ومن كان عليه حد « 4 » ، وأطلق يعقوب بن داود وكان في المطبق فآخاه - فيما قيل - في الله وأمره أن يرفع إليه حوائج الناس « 5 » . وفيها توفى حميد بن قحطبة بخراسان ، فولاها المهدى أبا عون العتكي .
--> ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) أولى لك : عبارة تفيد التهديد والوعيد ، أي : الشر أقرب إليك . ينظر : لسان العرب ( 15 / 411 ) . ( 3 ) انظر حوادث هذه السنة في : تاريخ الطبري ( 8 / 110 ) ، الكامل ( 6 / 37 ) ، المنتظم ( 8 / 226 ) . ( 4 ) جاء في الكامل ( 6 / 41 ) : أطلق المهدى من كان في حبوس المنصور ، إلا من كان عنده تبعة من دم أو مال ، أو من يسعى في الأرض بالفساد . ( 5 ) كان يعقوب بن داود واحدا من أكابر الوزراء ، فحبسه المنصور سنة خمس وأربعين ومائة ، فلما ولى المهدى الخلافة أطلق سراحه ، وقربه إليه ، فتقدم يعقوب في دولة المهدى ، وكان رجلا أعور قصيرا من أهل مرو ، ويسمى حكيما وكان اتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه لئلا يرى ؛ فسمى المقنع وادعى الألوهية ولم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه وكان يقول : إن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح وهكذا وهلم جرا إلى أبى مسلم الخراساني ثم تحول إلى هاشم وهاشم في دعواه هو المقنع ، ويقول بالتناسخ وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا وكانوا يقولون في الحرب يا هاشم أعنا واجتمع إليه خلق كثير وتحصنوا في قلعة بسنام وسنجردة -