يزيد بن محمد الأزدي
447
تاريخ الموصل
--> - يا أبا عبد الله ، لا تجلس مجلسا إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك ، ومن أحب أن يحمد أحسن السيرة ومن أبغض الحمد أساءها وما أبغض الحمد إلا استذم ، وما استذم إلا كره ، يا أبا عبد الله ، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه ، بل العاقل الذي يحتال للأمر ؛ الذي لا يقع فيه . وقال للمهدى يوما : كم راية عندك ؟ قال : لا أدرى ، قال : هذا والله التضييع وأنت لأمر الخلافة أشد تضييعا ، ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت ، فاتق الله فيما خولك . قيل : وقال إسحاق بن عيسى : لم يكن أحد من بنى العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة غير المنصور وأخيه العباس بن محمد وعمهما داود بن علي ، قيل : وخطب المنصور يوما فقال : الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، فاعترضه إنسان فقال : أيها الإنسان ، أذكرك من ذكرت به ، فقطع الخطبة ، ثم قال : سمعا سمعا لمن حفظ عن الله ، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا أو تأخذنى العزة بالإثم ، لقد ضللت إذن ، وما أنا من المهتدين ، وأنت أيها القائل فوالله ما أردت بهذا القول الله ، ولكنك أردت أن يقال : قام فقال فعوقب فصبر وأهون بها ! ويلك لقد هممت واغتنمها إذ عفوت ، وإياك وإياكم معاشر المسلمين - أختها ؛ فإن الحكمة علينا نزلت ، ومن عندنا فصلت فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده وتصدروه مصادره ، ثم عاد إلى خطبته كأنما يقرؤها ، فقال : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وقال عبد الله بن صاعد : خطب المنصور بمكة بعد بناء بغداد فكان مما قال : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أمر مبرم ، وقول عدل ، وقضاء فصل ، والحمد لله الذي أفلج حجته ، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والفيء إرثا ، وجعلوا القرآن عضين ، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون ، فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد ؟ أهملهم الله حين بدلوا السنة وأهملوا العبرة ، وعندوا واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد ، ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ قال : وكتب إليه رجل يشكو بعض عماله فوقع إلى العامل في الرقعة إن آثرت العدل صحبتك السلامة ، وإن آثرت الجور فما أقربك من الندامة ، فانصف هذا المتظلم من الظلامة . قيل : وكتب إلى المنصور صاحب أرمينية يخبره أن الجند قد شغبوا عليه ، ونهبوا ما في بيت المال ، فوقع في كتابه : اعتزل عملنا مذموما مدحورا ، فلو عقلت لم يشغبوا ، ولو قويت لم ينهبوا . وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه يدل على فصاحته وبلاغته ، وقد تقدم له أيضا من الكتب وغيرها ما يدل على أنه كان واحد زمانه ، إلا أنه كان يبخل . ومما نقل عنه من ذلك : قول الوضين بن عطاء : استزارنى المنصور وكان بيني وبينه خلة قبل الخلافة ، فخلونا يوما ، فقال لي : يا أبا عبد الله ، ما لك ؟ قلت : الخبر الذي تعرفه ، قال : وما عيالك ؟ قلت ثلاث بنات والمرأة وخادم لهن ، فقال : أربع في بيتك ؟ قلت : نعم ، فرددها حتى ظننت أنه سيعنينى ، ثم قال : أنت أيسر العرب ، أربعة مغازل يدرن في بيتك . قيل : رفع غلام لأبى عطاء الخراساني أن له عشرة آلاف درهم ، فأخذها منه وقال : هذا مالي ، قال : من أين يكون مالك وو الله ما وليتك عملا قط ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة ؟ قال : بلى ، كنت تزوجت امرأة لعيينة بن موسى بن كعب ، فورثتك مالا ، وكان قد عصى بالسند ، وأخذ مالي وهو وال على السند ، فهذا المال من ذاك . وقيل : لجعفر الصادق : إن المنصور يكثر من لبس جبة هروية ، وإنه يرقع قميصه ، فقال جعفر : الحمد لله الذي لطف به حتى ابتلاه بفقر نفسه في ملكه . قيل : وكان المنصور إذا عزل عاملا أخذ ماله وتركه في بيت مال مفرد سماه بيت مال المظالم ، -