يزيد بن محمد الأزدي
446
تاريخ الموصل
--> - هذا ؟ والله قد تكلم حتى حسدته ، وما منعني أن أتم على رده إلا أن يقال : حسده ؛ لأنه من ربيعة ؟ وما رأيت مثله رجلا أربط جأشا ، ولا أظهر بيانا رده يا غلام ، فلما صار بين يديه قال : اقصد لحاجتك ، قال : يا أمير المؤمنين ، معن بن زائده عبدك وسيفك وسهمك ، رميت به عدوك فضرب وطعن ورمى حتى سهل ما حزن ، وذل ما صعب ، واستوى ما كان معوجا من اليمن ، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين ، أطال الله بقاءه ، فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساع أو واش أو حاسد فأمير المؤمنين أولى بالفضل على عبده ، ومن أفنى عمره في طاعته ، فقبل عذره وأمر بصرفهم إليه ، فلما قرأ معن الكتاب بالرضا قبل ما بين عينيه ، وشكر أصحابه وأجازهم على أقدارهم ، وأمرهم بالرحيل إلى المنصور ، فقال مجاعة : آليت في مجلس من وائل قسما * ألا أبيعك يا معن بأطماح يا معن إنك قد أوليتنى نعما * عمت لحيما وخصت آل مجاع فلا أزال إليك الدهر منقطعا * حتى يشيد بهلكى هتفه الناعي وكان من نعم معن على مجاعة أنه قضى له ثلاث حوائج ، منها أنه كان يتعشق جارية من أهل بيت معن اسمها زهراء ، فطلبها فلم يجبه ؛ لفقره ، فطلبها من معن فأحضر أباها ، فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده ، ومنها أنه طلب منه حائطا بعينه فاشتراه له ، ومنها أنه استوهب منه شيئا فوهب له ثلاثين ألف درهم تمام مائة ألف . قيل : وكان المنصور يقول : ما أحوجني أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون على بابى أعف منهم ، هم أركان الدولة ، ولا يصلح الملك إلا بهم ! أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لاثم ، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى ، والثالث صاحب خراج يستقصى ولا يظلم الرعية ، فإني عن ظلمها غنى ، ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة : آه آه ، قيل : ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة . وقيل : ودعا المنصور بعامل قد كسر خراجه ، فقال له : أد ما عليك ، فقال : والله ما أملك شيئا ، وأذن مؤذن : أشهد أن لا إله الا الله ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي ما على لله وشهادة أن لا إله إلا الله ، فخلى سبيله . وقيل : أتى بعامل فحبسه وطالبه عبدك يا أمير المؤمنين ، فقال : بئس العبد أنت فقال : لكنك نعم المولى فقال : أما لك فلا ، قيل : وأتى بخارجى قد هزم له جيوشا ، فأراد ضرب رقبته ثم ازداره فقال : يا بن الفاعلة ، مثلك يهزم الجيوش ! فقال له : ويلك وسوءة لك أمس ، بيني وبينك السيف واليوم القذف والسب ، وما كان يؤمنك أن أراد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا ؟ ! فاستحيا منه المنصور ، وأطلقه قيل : وكان شغل المنصور في صدر نهاره بالأمر والنهى ، والولايات والعزل ، وشحن الثغور والأطراف ، وأمن السبل ، والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية ، والتلطف بسكونهم وهديهم ، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته ، فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف والآفاق ، وشاور سماره ، فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره ، وإذا مضى الثلث الثاني قام فتوضأ وصلى حتى يطلع الفجر ثم يخرج فيصلى بالناس ، ثم يدخل فيجلس في إيوانه قيل : وقال للمهدى : لا تبرم أمرا حتى تفكر فيه ؛ فإن فكر العاقل مرآته تريه حسنه وسيئه يا بنى لا يصلح السلطان إلا بالتقوى ولا تصلح الرعية إلا بالطاعة ، ولا تعمر البلاد بمثل العدل ، وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة ، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه ، واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره .