يزيد بن محمد الأزدي

411

تاريخ الموصل

--> - الأمور بيد الله ، وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء إليه ، واعلم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا ولا دفعنا عنها ضرا ، ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتنا ، ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا ، ولكن الله إذا أراد عزما لإنفاذ أمره وإنجاز وعده وإتمام عهده وتأكيد عقده أحكم إبرامه وأبرم إحكامه ونور إعلانه وثبت أركانه حين أسس بنيانه ، فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل ولا تعجيل ما أخر ، غير أن الشيطان عدو مضل مبين قد حذر الله طاعته وبين عداوته ، ينزع بين ولاة الحق وأهل طاعته ؛ ليفرق جمعهم ويشتت شملهم ويوقع العداوة والبغضاء بينهم ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور ومضايق البلايا ، وقد قال الله - عز وجل - في كتابه : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ووصف الذين اتقوا ، فقال : إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زين الله به - جل وعز - من كان قبله ، فإنه قد سألتهم أبناؤهم ونازعتهم أهواؤهم إلى مثل الذي هم به أمير المؤمنين فآثروا الحق على ما سواه ، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه ولا مانع لعطائه ، ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم وتعجيل النقم فآثروا الآجلة وقبلوا العاقبة ، وكرهوا التغيير وخافوا التبديل فأظهروا الجميل فتمم الله لهم أمورهم وكفاهم ما أهمهم ومنع سلطانهم وأعز أنصارهم وكرم أعوانهم وشرف بنيانهم ، فتمت النعم وتظاهرت المنن فاستوجبوا الشكر فتم أمر الله وهم كارهون ، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله . فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه أمسك عنه وغضب غضبا شديدا ، وعاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون ، منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله في جماعة ، فكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من يدخل إليه ، فإذا ركب مشوا خلفه ، وقالوا : أنت البقرة التي قال الله : فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ فعاد فشكاهم ، فقال له المنصور : يا بن أخي أنا - والله - أخافهم عليك وعلى نفسي ؛ قد أشربوا حب هذا الفتى فلو قدمته بين يديك فيكون بيني وبينك لكفوا ، فأجاب عيسى إلى أن يفعل ، وذكر عن إسحاق الموصلي عن الربيع أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه - الذي ذكرنا - وقع في كتابه : اسل عنها تنل منها عوضا في الدنيا ، وتأمن تبعتها في الآخرة . ينظر : تاريخ الطبري ( 8 / 9 - 19 ) . وذكر عن الوليد بن محمد العنبري أن سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهدى عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له : أيها الرجل بايع وقدمه على نفسك ؛ فإنك لن تخرج من الأمر قد جعل لك الأمر من بعده وترضى أمير المؤمنين ، قال : أو ترى ذلك ؟ قال : نعم ، قال : فإني أفعل ، فأتى سلم المنصور فأعلمه إجابة عيسى ، فسر بذلك وعظم قدر سلم عنده ، وبايع الناس للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده ، وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهدى على عيسى ، وخطب عيسى بعد ذلك فقدم المهدى على نفسه ، ووفى له المنصور بما كان ضمن له ، وقد ذكر عن بعض صحابة أبى جعفر أنه قال : تذاكرنا أمر أبى جعفر المنصور وأمر عيسى بن موسى في البيعة وخلعه إياها من عنقه وتقديمه المهدى ، فقال لي رجل من القواد سماه : - والله الذي لا إله غيره - ما كان خلعه إياها منه إلا برضا من عيسى ؛ وركون منه إلى الدراهم ؛ وقلة علمه بقدر الخلافة وطلبا للخروج منها ، أتى يوم خرج للخلع فخلع ، نفسه - وإني لفى مقصورة مدينة السلام - إذ خرج علينا أبو عبيد الله كاتب المهدى في جماعة من أهل خراسان ، فتكلم عيسى فقال : إني قد سلمت ولاية العهد لمحمد بن أمير المؤمنين وقدمته على نفسي ، فقال أبو عبيد الله : ليس هكذا أعز الله الأمير ، ولكن قل ذلك بحقه وصدقه وأخبر بما رغبت فيه فأعطيت ، قال : نعم ، قد بعت نصيبي -