يزيد بن محمد الأزدي
410
تاريخ الموصل
--> - أيقنت نفس أمير المؤمنين أن ذلك أمر تولاه الله وصنعه لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة ولا مؤامرة ولا مذاكرة ؛ للذي رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة وتتابع العامة ، حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدى بحق الأبوة لأفضت الأمور إليه ، وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامة ولا يجد مناصا على خلاص ما دعوا إليه ، وكان أشد الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصته وثقاته من حرسه وشرطه ، فلم يجد أمير المؤمنين بدا من استصلاحهم ومتابعتهم ، وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحق من سارع إلى ذلك وحرص عليه ورغب فيه وعرف فضله ورجا بركته وصدق الرواية فيه ، وحمد الله إذ جعل في ذريته مثل ما سألت الأنبياء قبله إذ قال العبد الصالح : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا فوهب الله لأمير المؤمنين وليا ثم جعله تقيا مباركا مهديا وللنبي صلى اللّه عليه وسلم سميا ، وسلب من انتحل هذا الاسم ودعا إلى تلك الشبهة التي تحير فيها أهل تلك النية ، وافتتن بها أهل تلك الشقوة فانتزع ذلك منهم وجعل دائرة السوء عليهم ، وأقر الحق قراره وأعلن للمهدى مناره وللدين أنصاره ، فأحب أمير المؤمنين أن يعلمك الذي اجتمع عليه رأى رعيته ، وكنت في نفسه بمنزلة ولده يحب من سترك ورشدك وزينك ما يحب لنفسه وولده ، ويرى لك إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداء ذلك من قبلك ، ليعلم أنصارنا من أهل خراسان - وغيرهم - أنك أسرع إلى ما أحبوا مما عليه رأيهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم ، وإن ما كان عليه من فضل عرفوه للمهدى أو أملوه فيه كنت أحظى الناس بذلك وأسرهم به لمكانه وقرابته ، فاقبل نصح أمير المؤمنين لك تصلح وترشد ، والسلام عليك ورحمة الله . فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها : بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى ، سلام عليك - يا أمير المؤمنين - ورحمة الله ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما أجمعت عليه من خلاف الحق وركوب الإثم في قطيعة الرحم ، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لي من بعدك ، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله وتفرق بين ما ألف الله جمعه وتجمع بين ما فرق الله أمره ، مكابرة لله في سمائه وحولا على الله في قضائه ومتابعة للشيطان في هواه ، ومن كابر الله صرعه ومن نازعه قمعه ومن ماكره عن شيء خدعه ومن توكل على الله منعه ومن تواضع لله رفعه ، إن الذي أسس عليه البناء وخط عليه الحذاء من الخليفة الماضي عهد لي من الله ، وأمر نحن فيه سواء ليس لأحد من المسلمين فيه رخصة دون أحد ، فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحق به من الآخر ، وإن حل من الآخر شيء فما حرم ذلك من الأول ، بل الأول الذي تلا خبره وعرف أثره وكشف عما ظن به وأمل فيه أسرع ، وكان الحق أولى بالذي أراد أن يصنع أولا ، فلا يدعوك إلى الأمن من البلاء اغترار بالله وترخيص للناس في ترك الوفاء ؛ فإن من أجابك إلى ترك شيء وجب لي واستحل ذلك منى لم يحرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنته الرخصة أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع ، ويكون بالذي أسست من ذلك أبخع فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع ، وخذ ما أوتيت بقوة وكن من الشاكرين ؛ فإن الله - جل وعز - زائد من شكره وعدا منه حقا لا خلف فيه ، فمن راقب الله حفظه ومن أضمر خلافه خذله ، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور وبغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتى ، فإن تعجل بي أمر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له وسترت قبح ما أردت إظهاره ، وإن بقيت بعدك لم تكن أوغرت صدري وقطعت رحمي ، ولا أظهرت أعدائي في اتباع أثرك وقبول أدبك وعمل بمثالك ، وذكرت أن الأمور كلها بيد الله هو مدبرها ومقدرها ومصدرها عن مشيئته ، فقد صدقت إن -