يزيد بن محمد الأزدي

407

تاريخ الموصل

--> - فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام ، فقال عيسى : يا أمير المؤمنين فكيف بالأيمان والمواثيق التي على وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق - وغير ذلك - من مؤكد الأيمان ؟ ! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين ، فلما رأى أبو جعفر امتناعه تغير لونه وباعده بعض المباعدة ، وأمر بالإذن للمهدى قبله ، فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى ، ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدى عن يمين المنصور - أيضا - ولا يجلس عن يساره في المجلس الذي كان يجلس فيه المهدى ، فيغتاظ من ذلك المنصور ويبلغ منه فيأمر بالإذن للمهدى ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى ابن علي ، فيلبث هنيهة ثم عبد الصمد بن علي ، ثم يلبث هنيهة ثم عيسى بن موسى ، فإذا كان بعد ذلك قدم في الإذن للمهدى على كل حال ثم يخلط في الآخرين فيقدم بعض من أخر ويؤخر بعض من قدم ، ويوهم عيسى بن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذكراتهم بالشيء من أمره ، ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئا ولا يستعتب ، ثم صار إلى أغلظ من ذلك فكان يكون في المجلس معه بعض ولده فيسمع الحفر في أصل الحائط فيخاف أن يخر عليه الحائط وينتثر عليه التراب ، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه ، فيأمر من معه من ولده بالتحويل ، ويقوم هو فيصلى ثم يأتيه الإذن ، فيقول : فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه فإذا رآه المنصور ، قال له : يا عيسى ما يدخل على أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب أفكل هذا من الشارع ؟ فيقول : أحسب ذلك يا أمير المؤمنين ، وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطمعه أن يشكو إليه شيئا فلا يشكون ، وكان المنصور قد أرسل إليه في الأمر الذي أراد منه عيسى بن علي ، فكان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخله فيه كأنه كان يغرى به ، فقيل : إنه دس لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه فنهض من المجلس ، فقال له المنصور : إلى أين يا أبا موسى ؟ قال : أجد غمزا يا أمير المؤمنين ، قال : ففي الدار إذا قال : الذي أجده أشد مما أقيم معه في الدار ، قال : فإلى أين ؟ قال : إلى المنزل ونهض فصار إلى حراقته ونهض المنصور في إثره إلى الحراقة متفزعا له ، فاستأذنه عيسى في المسير إلى الكوفة ، فقال : بل تقيم فتعالج هاهنا فأبى وألح عليه فأذن له ، وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرئيل ، قال : إني والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة وما آمن على نفسي ، فأذن له المنصور وقال له أنا على الحج في سنتي هذه ، فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق - إن شاء الله - وتقارب وقت الحج ، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعى : الرصافة ، فأقام بها أياما فأجرى هناك الخيل ، وعاد عيسى غير مرة ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحج ، واعتل بقلة الماء في الطريق وبلغت العلة من عيسى بن موسى كل مبلغ حتى تمعط شعره ، ثم أفاق من علته تلك ، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبي حزابة البرجمي أبو زياد : أفلت من شربة الطبيب كما * أفلت ظبي الصريم من قتره من قانص ينفذ الفريص إذا * ركب سهم الحتوف في وتره دافع عنك المليك صولة لي * ث يريد الأسد في ذرى خمره حتى أتانا وفيه داخلة * تعرف في سمعه وفي بصره أزعر قد طار عن مفارقه * وحف أثيث النبات من شعره وذكر أن عيسى بن علي كان يقول للمنصور : إن عيسى بن موسى إنما يمتنع من البيعة للمهدى لأنه يريص هذا الأمر لابنه موسى ، فموسى الذي يمنعه ، فقال المنصور لعيسى بن علي : كلم موسى -