يزيد بن محمد الأزدي
408
تاريخ الموصل
--> - ابن عيسى وخوفه على أبيه وعلى ابنه ، فكلم عيسى بن علي موسى في ذلك فأيأسه فتهدده وحذره غضب المنصور ، فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه أتى العباس بن محمد ، فقال : أي عم ، إني مكلمك بكلام لا - والله - ما سمعه منى أحد قط ، ولا يسمعه أحد أبدا ، وإنما أخرجه منى إليك موضع الثقة بك والطمأنينة إليك ، وهو أمانة عندك ؛ فإنما هي نفسي أنثلها في يدك ، قال : قل يا بن أخي فلك عندي ما تحبه ، قال : أرى ما يسام أبى من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدى ، فهو يؤذى بصنوف الأذى والمكروه ، فيتهدد مرة ، ويؤخر إذنه مرة ، وتهدم عليه الحيطان مرة ، وتدس إليه الحتوف مرة . فأبى لا يعطى على هذا شيئا ، لا يكون ذلك أبدا ، ولكن هاهنا وجها فلعله يعطى عليه إن أعطى وإلا فلا ، قال : فما هو يا بن أخي فإنك قد أصبت ووفقت ؟ قال : يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد ، فيقول له : يا عيسى ، إني أعلم أنك لست تضن بهذا الأمر على المهدى لنفسك لتعالى سنك وقرب أجلك ؛ فإنك تعلم أنه لا مدة لك تطول فيه ؛ وإنما تضن به لمكان ابنك موسى ، أفترانى أدع ابنك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلى عليه ، كلا - والله - لا يكون ذلك أبدا ، ولأثبن على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه ، وآمن أن يلي على ابني ، أترى ابنك آثر عندي من ابني ؟ ثم يأمر بي ، فإما خنقت وإما شهر على سيف ، فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل بهذا السبب ، فأما بغيره فلا ، فقال العباس : جزاك الله يا بن أخي خيرا فقد فديت أباك بنفسك ، وآثرت بقاءه على حظلك ، نعم الرأي رأيت ونعم المسلك سلكت ثم أتى أبا جعفر فأخبره الخبر فجزى المنصور موسى خيرا ، وقال : قد أحسن وأجمل وسأفعل ما أشار به - إن شاء الله - فلما اجتمعوا وعيسى بن علي حاضر أقبل المنصور على عيسى بن موسى ، فقال : يا عيسى إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره ولا مداك الذي تجرى إليه في الأمر الذي سألتك ، إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشئوم عليك وعلى نفسه ، فقال عيسى بن علي : يا أمير المؤمنين غمزني البول ، قال : فندعو لك بإناء تبول فيه ، قال : أفي مجلسك يا أمير المؤمنين ؟ ! ذاك ما لا يكون ، ولكن أقرب البلاليع منى أدل عليها فآتيها فأمر من يدله فانطلق ، فقال عيسى بن موسى لابنه موسى : قم مع عمك فاجمع عليه ثيابه من ورائه وأعطه منديلا - إن كان معك - ينشف به ، فلما جلس عيسى يبول جمع موسى عليه ثيابه من ورائه ، وهو لا يراه ، فقال : من هذا ؟ فقال موسى بن عيسى : بأبى أنت وبأبى أب ولدك - والله - إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما ، وإنكما لأحق به ولكن المرء مغرى بما تعجل ، فقال موسى في نفسه : أمكنني - والله - هذا من مقاتله ، وهو الذي يغرى بأبى - والله - لأقتلنه بما قال لي ، ثم لا أبالي أن يقتلني أمير المؤمنين بعده ، بل يكون في قتله عزاء لأبى وسلو عنى إن قتلت ، فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى : يا أمير المؤمنين أذكر لأبى أمرا ، فسره ذلك وظن أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم ، فقال : قم فقام إليه ، فقال : يا أبت إن عيسى بن علي قد قتلك وإياي قتلات بما يبلغ عنا ، وقد أمكنني من مقاتله ، قال : وكيف ؟ قال قال لي كيت وكيت ، فأخبر أمير المؤمنين فيقتله فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياي ، ثم لا نبالى ما كان بعد ، فقال : أف لهذا رأيا ومذهبا ؛ ائتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك بها فجعلتها سببا لمكروهه وتلفه ، لا يسمعن هذا منك أحد وعد إلى مجلسك ، فقام فعاد وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثرا فلم يره ، فعاد إلى وعيده الأول وتهدده ، فقال : أما - والله - لأعجلن لك فيه ما يسوءك ويوئسك من بقائه بعدك ، أيا ربيع قم إلى موسى فاخنقه بحمائله ، فقام الربيع فضم حمائله عليه فجعل يخنقه بها خنقا رويدا ، وموسى يصيح : الله الله يا أمير المؤمنين في وفي دمى ؛ فإني لبعيد مما تظن بي ، وما يبالي عيسى أن تقتلني -