يزيد بن محمد الأزدي
368
تاريخ الموصل
المسلمون إخفارها ولا نقضها ولا إهمالها ، بها حقنت الدماء ، وبها قامت السماوات والأرض أن تزولا ، ومن شدتها استكرهتها السماوات فصدفت عنها ، واستثقلتها الأرضون والجبال ، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، وذمة المصطفى المنتخب المرتضى النبي الأمى صلى اللّه عليه وسلم ، وذمة جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وذمة ملك الموت ومن حف بالعرش من الملائكة والكروبيين ، وذمة الخليل إبراهيم ، وذمة موسى وهارون ، وذمة روح الله وكلمته عيسى ابن مريم ، وذمة إسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وذمة خلفائه الباقين وأسلافه الطيبين الماضين ، وعاهد الله فيما ابتدأ به من ذلك ، وأعطاه عهدا مسؤولا يلقى الله عليه غير خافر ولا ناقض ولا ناكث ، ثم جعل - بعد هذه العهود والذمم - حرم ما أدعم الله به خليفته وسدد به الدين الذي فضله فيما جعله في الأرض هدى للمسلمين وتبيانا لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إماما ومنبها ولنفسه به عليهم الحجة فيما عظم من ذلك ، ثم قبل هذه الأيمان كلها بحقوقها وحرمتها وتوكيدها وعظمها وثبوتها ومعرفتها وإذاعتها في البلدان والخلق والإسلام والآفاق ، وأذن له في القدوم عليه آمنا مطمئنا محفوظا مستورا مكنوفا من آفته وغشه وأمره ونهيه ، بريئا « 1 » مما يعتد به أحد من خلق الله على أحد بذنب أو جرم أو زلة أو غيرة أو سقطة جليلة أو حقيرة فيما مضى ، ولا يتهمه ، ولا بعلاقة فيما بقي ، وأمن له المسالك كلها من البصرة وما بعدها إلى مدينة السلام الهاشمية وغيرها وما قبلها إلى حيث تجرى كتبه ، وينفذ أمره من أهل الإسلام والمعاهدين وأهل كل ملة وقبلة ، وجوز له ركوب السفن ومسالك البحور على ما أراد ، مؤمن من غشها ومكرها ، وأذن له في النزول حيث أحب من مدينة السلام الهاشمية وغيرها في الدور والزواريق والفساطيط والمنازل ، وحيث شاء ، أمينه منها على ما أمنه في أعلى كتابه ، وجعل له ألا يسعى أحد من خلق الله إلى مكانه ومستقره وموضعه ومضجعه ومبيته ومقيله ، وحال خلوته وغير خلوته ، نائما ومنتبها وقائما وقاعدا بشئ مما يتخذه الآدميون بحديدة ولا بشئ مما أطلعه الله عز وجل من نبات الأرض ولا وجهها من صخرة ولا مدرة ، ولا شئ مما يدفع به المحاربون « 2 » عن أنفسهم ، ولا حار ، ولا تهدم ولا تبار ، ولا شئ يراد به الغش والنقض ، وأشهد الله وملائكته وأنبياءه ورسله وكتبه على ما عاهد عليه وعقد وأعطى من ذلك ، وجعل له ألا يرى من مجالسته احتشاما ولا انقباضا ولا مباينة ولا ازورارا ، ولا ينقبض عن طعامه وشرابه ودهنه وعطره ولباسه وفراشه ، كل هذا بعدا من الذل والهوان والمكروه والتنقص
--> ( 1 ) في المخطوطة : برى . ( 2 ) في المخطوطة : المحاربين .