يزيد بن محمد الأزدي

289

تاريخ الموصل

« إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله كان لا يتقدم ولا يتأخر إلا بأمر الله جل وعلا ووحيه ، أنزل عليه كتابه وبين له فيه ما يأتي وما يبقى ، فلم يكن في أمر دينه شبهة حتى قبض صلى اللّه عليه وسلم ، وقد علم الناس معالم دينهم ، ثم ولى أبو بكر صلاتهم فولوه أمر دنياهم حيث ولاه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أمر دينهم ، فقاتل أهل الردة ، وعمل بالكتاب والسنة حتى قبضه الله ، واستخلف عمر فسار بسيرة صاحبه ، وجبى المال وأعطى العطية ، وجمع الناس ( وقام ) في شهر رمضان وجلد في الخمر ثمانين ، وغزا العدو في بلادهم ، ثم مضى لسبيله وجعلها شورى ، فاختاروا عثمان فسار دون سيرة من كان قبله ، وعمل بما أحبط أجره ، ثم مضى ، ثم ولى على - عليه السلام « 1 » - فلم يبلغ من الحق قصدا ولم يرفع له منارا ، ثم ولى معاوية فاتخذ عباد الله خولا « 2 » ودينه دغلا « 3 » وماله دولا ، ثم ولى ابنه - لعنه الله - ففتك ، ولعنه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فاسق في بطنه وفرجه فالعنوه ، ثم ولى مروان وآل مروان ، فسفكوا الدماء الحرام وأكلوا المال الحرام ، فالعنوهم ، على أن كان منهم عمر بن عبد العزيز ، هم ولم يفعل وقصر عما هم به ، ثم ولى يزيد بن عبد الملك ، فاسق لم يأنس الله منه رشدا ، وقد قال الله عز من قائل في أموال اليتامى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [ النساء : 6 ] فأمر أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أعظم من مال اليتيم ، مأبون في بطنه وفرجه ، حيك له بردان فارتدى بأحدهما واتزر بالآخر ، ثم أقعد حبابة عن يمينه وسلامة عن شماله وقال : « يا حبابة غنينى ويا سلامة اسقينى » حتى إذا امتلأ سكرا ، وأخذت الخمرة مأخذها شق ثوبيه - قد أخذا بألف دينار ، قد ضربت فيهما الأبشار « 4 » وحلقت اللحى وتلفت فيهما الأموال ، وأخذت من غير حلها ، ووضعت في غير أهلها ، ثم التفت إلى إحداهما فقال : ألا أطير ؟ فهكذا صفة خلفاء الله ، وقد حضرتكم في حطة كانت أيام هشام : كتب إليكم

--> ( 1 ) ليس من المعقول أن تكون عبارة ( عليه السلام ) من كلام أبى حمزة ؛ لأنه خارجي ينكر على سيدنا علي كرم الله وجهه ، وأكبر الظن أنها إضافة من المصنف أبى زكريا أو من راوي الكتاب . ( 2 ) الخول : وهو اسم يقع على العبد والأمة ، قال الفراء : هو جمع خائل وهو الراعي وقال غيره : هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك ، والخال : أخو الأم والخالة : أختها ، ومصدره : الخؤولة . ينظر : مختار الصحاح ( 1 / 81 ) . ( 3 ) الدغل : الشجر الملتف الذي يكمن أهل الفساد فيه وقيل هو من قولهم أدغلت في هذا الأمر إذا أدخلت فيه ما يخالفه ويفسده . ينظر : لسان العرب ( 11 / 245 ) . ( 4 ) في المخطوطة : الأستار ، والتصحيح من شرح نهج البلاغة ( 5 / 114 ) . والأبشار : جمع بشرة ، والبشرة : ظاهر الجلد ، والمراد أن يزيد بن عبد الملك كان يضرب الناس ويعذبهم ، لابتزاز أموالهم وجبايتها .