يزيد بن محمد الأزدي

113

تاريخ الموصل

وعاد عمير إلى أصحابه ، وأذكى ابن الأشتر حرسه ، ولم يدخل عينه غمض ، حتى إذا كان السحر الأول عبأ أصحابه ، وكتب كتائبه ، وأمر أمراءه ، فجعل سفيان بن يزيد الأزدي على ميمنته ، وعلىّ بن مالك الجشمي على ميسرته ، وجعل عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأمه - على الخيل ، وكانت خيله قليلة ، وجعل الطفيل بن لقيط على الرجالة ، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك ، فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس ، ثم خرج فصف أصحابه ، وألحق كل أمير بمكانه ، ونزل إبراهيم يمشى ويحرض الناس ، ويمنيهم الظفر ، وسار بهم رويدا ، فأشرف على تل عظيم مشرف على القوم ، فجلس عليه ، وإذا أولئك القوم لم يتحرك منهم أحد ، فأرسل عبد الله بن زهير السلولي ليأتيه بخبر القوم ، فعاد إليه وقال له : قد خرج القوم على دهش وفشل ؛ لقيني رجل منهم وليس له كلام إلّا : يا شيعة أبى تراب ، يا شيعة المختار الكذاب ! قال : فقلت له : الذي بيننا أجل من الشتم ، وركب إبراهيم وسار على الرايات يحثهم ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته : من السبي والقتل ومنع الماء ، وحرضهم على قتله ، وتقدم القوم إليه ، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني ، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمى ، وعلى الخيل شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم ، فثبت له علي بن مالك الجشمي ؛ فقتل ، ثم أخذ رايته قرة بن علي فقتل في رجال من أهل البأس ، وانهزمت الميسرة ؛ فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاستقبل المنهزمين فقال : إلىّ يا شرطة الله ! فأقبل إليه أكثرهم ، فقال : هذا أميركم يقاتل ابن زياد ، ارجعوا بنا إليه ، فرجعوا وإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادى : إلىّ شرطة الله ! أنا ابن الأشتر ، إن خير فراركم كراركم ، ليس مسيئا من أعتب ؛ فرجع إليه أصحابه ، وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد وهم يرجون أن ينهزم عمير بن الحباب كما زعم ، فقاتلهم عمير قتالا شديدا ، وأنف من الفرار ، فلما رأى ذلك إبراهيم قال لأصحابه : اقصدوا هذا السواد الأعظم ؛ فوالله لئن هزمناه لا نجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها ، فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ثم صاروا إلى السيوف والعمد فاضطربوا بها مليا ، وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين ، وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم ، فيقول : ليس لي متقدم ، فيقول : بلى ، فإذا تقدم شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلا إلا صرعه ، وكرد إبراهيم الرجالة من بين يديه كأنهم الحملان ، وحمل أصحابه حملة رجل واحد ، واشتد القتال فانهزم أصحاب