يزيد بن محمد الأزدي

105

تاريخ الموصل

فأقبل إليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقاتلا حتى قتلا جميعا ، وضاربهم ابن الزبير إلى الليل ثم انصرفوا عنه ، هذا في الحصر الأول ، ثم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله ، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين - رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار ، وأخذوا يرتجزون ويقولون : خطارة مثل الفنيق المزبد * نرمى بها أعواد هذا المسجد وقيل : إن الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبد الله حول الكعبة ، وأقبلت شرارة هبت بها الريح ؛ فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت ، والأول أصح ؛ لأن البخاري قد ذكر في صحيحه أن ابن الزبير ترك الكعبة ليراها الناس محترقة ؛ يحرضهم على أهل الشام ، وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى بلغهم نعى يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر « 1 » . وفيها توفى يزيد بن معاوية لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الآخر . وفيها بويع بالخلافة معاوية بن يزيد بالشام ، وبويع لعبد الله بن الزبير بالحجاز . وفيها بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد على أن يقوم لهم بأمرهم ، حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لأنفسهم ، ثم أرسل عبيد الله رسولا إلى أهل الكوفة يدعوهم إلى مثل ذلك ، فأبوا عليه ، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم ؛ وذلك أنه لما بلغت عبيد الله وفاة يزيد قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أهل البصرة ، لقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل ، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا ، ولقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا ، وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم ، وإن أمير المؤمنين يزيد قد توفى ، وقد اختلف أهل الشام ، وأنتم اليوم أكثر الناس عددا ، وأوسعهم بلادا ، وأغنى عن الناس ، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم ، فأنا أول راض من رضيتموه ، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون ، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم ، فما لكم إلى أحد من أهل البلدان حاجة ، فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا : والله ما نعلم أحدا أقوى منك عليها ، فهلمّ نبايعك ، فقال : لا حاجة لي في ذلك ، فاختاروا لأنفسكم ، فأبوا غيره ، وأبى عليهم حتى كرروا ذلك ثلاث مرات ، فلما أبوا بسط يده ، فبايعوه ثم خرجوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه ، وجعلوا يقولون : أظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة ؟ ! فكان يأمر بالأمر فلا ينفذ ، ويرى

--> ( 1 ) ينظر : الكامل ( 4 / 123 ، 124 ) .