محمد سليم الجندي
279
تاريخ معرة النعمان
منها : انه هجا إبراهيم باشا المصري بقصيدة مثبتة في ديوانه ، فلما بلغته أحفظته ، وجد في طلبه ، وبث له العيون والأرصاد ، فأختبأ في دار مفتي حلب ، وأظن أنه عبد الرحمن أفندي المدرس ، ولا يعلم أحد أين هو إلا رجل كان يأخذ كتبه إلى أبيه بالمعرة ، ويأخذ كتب أبيه اليه ، فلما أعيت الحيلة إبراهيم باشا ، ارسل إلى أبيه يتوعده إن لم يسلم ابنه اليه حين قدومه إلى المعرة ، وكان أبوه لا يعلم مقره ، فكتب اليه كتابا يعلمه بذلك ، فخف إلى المعرة واختفى ، حتى قدم إبراهيم ، ونزل خارج البلدة ، وضرب له فسطاط عظيم ، ثم دعا أعيان البلدة ، ورجال الحكومة إلى مجلسه ، فحضروا ، وفيهم المترجم وأبوه ، فجلسا عن يمين الباشا . فدخل رجل من أهل المعرة ، كان خلف المترجم في وظيفته ، بعد فراره واختفائه ، وقدم إلى الباشا رفيعة ، فلما أتم قراءتها سأل المترجم عن صاحب الرفيعة ومكانته وسيرته ، فأثنى على سلفه ، واستعطف الباشا عليه ، وحضه على بره وإكرامه ، فاستشاط غضبا ، ووثب قائما ، وقال له : هذا الرجل يوغر صدري عليك ، وعلى ابنك ، وأنت تستعطفني عليه ، ثم القى اليه الرفيعة ليقرأها ، فقرأها ، فإذا بصاحبها يذكر الباشا بقصيدة الهجاء ، ويصمه هو وأباه بانحيازهما للدولة العثمانية ، ولم يدع نقيصة إلا ألصقها بهما ، ولا خصلة تثير السخط إلا نسبها اليهما ، فلما فرغ من قراءتها عاد إلى استعطاف الباشا مرة ثانية ، ففكر مليا ، ثم قال له : أين ابنك ؟ فقال : هذا هو ، فقال له الباشا : يا أمين قم إلى منصبك ، فقد عزلت هذا الدنس ، وأمر بسجنه ، ومعاقبته ، فرجاه المترجم وأبوه ألا يؤاخذه على عمله ، فعفا عنه ، ولم ينل المترجم منه إلا البر والعطف ، وجعل نفسه كأنه لا يعلم من أمر الهجاء شيئا ، ثم ارفض الجمع ، وقد أكبروا حلم الباشا وسعة صدره وعفوه وعقله .