محمد سليم الجندي

270

تاريخ معرة النعمان

غيرة ولا مروءة من أحد غيره من جميع الدمشقيين ، ولما كان العشر الأخير من شهر رمضان سنة 1264 ه ، استخلفه أبوه في قراءة الدرس عنه إلى أن توفي أبوه في الرابع عشر من شوال من السنة المذكورة ، فأجمع الناس على انتخابه مفتيا بدلا من أبيه ، وكتبوا مضبطة ، وإعلاما شرعيا ، أرسل إلى الآستانة ، فحضر له المنشور من شيخ الاسلام احمد حكمة عارف بذلك ، ثم وجهت عليه نظارة النفوس في المعرة . وفي أوائل المحرم سنة 1266 ه وردت اليه كتب من أحد أحبائه من امراء دمشق ، يذكر له فيها : أن المشير أمين باشا يبحث عن رجل عالم ، ذكي ، يحسن اللغة التركية ، ليعينه كاتبا للعربي في الفيلق ، وان جميع أحباء المترجم ذكروه عند المشير ، فأمرهم أن يرغبوه في الحضور إلى دمشق ، فاعتذر إلى صديقه هذا عن قبول ذلك مرات ، فكتب المشير إلى الآستانة ، فصدرت إرادة سلطانية بتعيين المترجم في هذه الوظيفة ، فخرج من المعرة في اليوم الخامس عشر من ربيع الأول من السنة المذكورة ، وهو عازم على الاستقالة ، لأن المعريين كرهوا مفارقته ، وكتبوا محضرا طلبوا فيه إبقاءه في بلده ، فلم يصادف طلبهم أذنا صاغية . ودخل دمشق في غرة جمادى الأولى ، والتقى بالمشير ، والأمير الذي دله عليه ، فرحب به وآنسه ، وأنزله في حجرة كاتب ديوانه ، وأراه من اللطف والحفاوة ما سحر لبه ، وخلب قلبه ، فرضي المقام عند المشير ، وجعل يقرئه النحو والصرف واللغة العربية ، ويقرأ معه كتب التصوف ، وكان المشير مولعا بكتب الشيخ محيي الدين بن عربي ، وله براعة في الحساب ، والهندسة ، والمنطق ، والحكمة ، وكان على غاية من النبل والفضل ، وكان يؤثر المترجم على