محمد سليم الجندي

19

تاريخ معرة النعمان

ثم ينصرفن ، ويأتي غيرهن ، حتى تنقضي الأيام المعدودة ، وهي ثلاثة . وأهل الميت يحدّون عليه ، وبغالون في الحداد ، فلا يقيمون أفراحا في ديارهم ، ولا يحضرونها عند غيرهم مدة سنة ، ولا يلبسون لباس زينة ولا يتزينون ، ومنهم من يزيد على ذلك ، ومنهم من ينقص ، حتى أنهم يحظرون بعض الأطعمة كالكبة ، وأصدقاء الميت وأقرباؤه ، يراعون أهل الميت فيشاركونهم في ترك الزينة ، وعدم الحضور في محافل الأفراح ، وهجر بعض الأطعمة والملابس ، وأكثر الناس تشددا ومغالاة في الحداد على الميت زوجته ، فإنها تشد على جبينها عصابة سوداء ، وتختمر بخمار أسود وتلبس ثويا أسود ، ثم أمه وبناته ، وقد يتخذن أغشية سوداء للشبابيك والنوافذ . ثم يتابعون الصدقات في مواسم معينة ، منها : يوم نصف شعبان ، وآخر يوم من رمضان ، ويوم عرفة ، ويوم السابع والعشرين من رجب ، فيطبخون ويتصدقون على الفقراء ، ويتهادون من ذلك الطعام ، وأكثر ما يصنعونه من الأطعمة السنبوسك ، وهو رقاق من عجين يحشى لحما وسنوبرا وبصلا ورمانا وغيرها ، ويجعل على شكل نصف دائرة ، ومستطيلا ، ثم يقلى بالزيت كثيرا وبالسمن قليلا ، ثم الأرز والشاكريّة وهي لحم وبصل يطبخ بلبن رائب ، واللبنيّة وهي أرز ولحم بلبن . ومنها يوم الأضحى ، فيضحى عن الموتى ، إن كانت لهم وصية ، كما يضحى عن الأحياء ، وهم يجمعون في الضحية بين الصدقة والهدية ، وقد يدخر بعضهم منها . ومن أقبح العادات في الأحزان ، ان زوجة الميت وبناته حين يموت الميت ، يرفعن اصواتهنّ بالنخيب والعويل ، ويظهرن أشد الجزع والهلع ، ويتظاهرن انهن فقدن الصبر والشعور والعقل ، فينحنين على مال الميت