ابن فرحون
27
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
ويمسّ جبهته ويديه ، أحق بأن أمرّغ وجهي عليه ، وأملأ محاجري من تراب قدميه ، وهذا حق وكلنا نقول به ونحبه ، لكن الخير كله في اتباع سنته ، وما أمر به ، وما حضّ عليه ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يكن موقفه من المأموم أخفض ولا أعلى ، بل كان هو وأصحابه في الموقف سواء ، فمن خالف سنته بالهوى فقد غوى ، بل التمادي على المكروهات والبدع الموضوعات يعظمها ويصيرها كبائر ، فمن قدر على التغيير والإزالة فلم يفعل ، يخاف عليه أن عمله لا يقبل ، وأن اللّه تعالى عن ذلك منه يسأل ، ثم إن القيام في ذلك صار جانبا عن هذه المعاني ، بل داخله حظّ النفس والتعصب في صورة التعبد والتقرب ، أعاذنا اللّه من حظوظ أنفسنا ، وهدانا لما فيه صلاح ديننا ، وألف بين قلوبنا ، برحمته وكرمه . ثم مع ما في المقام الشريف من الكراهة في الانخفاض أضف إليه كتابة القرآن العزيز في قبلة الإمام والمأموم ، ولا خلاف بين الناس في كراهة هذا حتى قيل ببطلان صلاة من قرأه واشتغل به مع التزويق العظيم والتذهيب الأنيق الذي يشغل المصلّي ، ولو كان بالولاية متحليّا ، ألا ترى كيف ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخميصة لما خاف أن يشغله علمها في الصلاة ؟ وقال : « ردوا هذه الخميصة على أبي جهم ، وائتوني بأنبجانية أبي الجهم فإن علمها كاد يفتني في صلاتي » « 1 » . وهذا إنما هو تعليم للأمة وتحذير لهم من أن يكون مثل هذا في الجملة من السنّة . وانظر إلى فعل أبي طلحة رضي اللّه عنه لما كان يصلي في حائطه ، فطار دبسي ، فطفق يتردّد يلتمس مخرجا ، فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ، ثم رجع إلى صلاته ، فإذا هو لا يدري كم صلى ! ! فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة ، باب إذا صلى في ثوب له أعلام ( 373 ) ، ومسلم في المساجد ، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام ( 556 ) .