ابن فرحون

28

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

وقال : يا رسول اللّه هو صدقة للّه فضعه حيث شئت « 1 » . وفي « الموطأ » « 2 » أيضا : أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقفّ - واد من أودية المدينة - في زمان التمر والنخيل قد ذللت ، فهي مطوقة بثمرها ، فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها ، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى ! ! فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة . فجاء عثمان بن عفان - وهو يومئذ خليفة - ، فذكر له ذلك . وقال : هو صدقة فاجعله في سبيل الخير ، فباعه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه بخمسين ألفا ، فسمي ذلك المال : الخمسين . وكم مثل هذا أثبتته السنّة خوفا من مثل هذه البدعة . قال أبو الحسن اللخمي في « التبصرة » : قال مالك رحمة اللّه عليه : كره الناس ما فعل في قبلة المسجد بالمدينة من التزويق ؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم ، وأرى أن يزال كل ما يشغل الناس عن صلاتهم وإن عظم ما كان أنفق فيه . قلت : وإنما زخرف المساجد من زخرفها لمعنى قصدوه ، لا للزخرفة ، لأن الوقت كان من الكفر والجاهلية قريبا ، فما كان يقوم للمسجد من التعظيم والتفخيم قبل ما صنع فيه ما يقوم له بعد ذلك ، فأرادوا ذلك المعنى . ومما يدل عليه : أن جامع بني أمية لما بني على هيئته اليوم بالفسيفساء وولي عمر بن عبد العزيز ، كره أن يكون المسجد على هيئة تشغل المصلي ، فأمر بأن تستر القبلة والجدار بالقباطي ، ثم قدم الشام راهبان فسألوا عن الكشف حتى ينظروا إليه ، فأرسلوا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يسألونه في ذلك ، فأذن لهم ، فلما رأوه استعظموا ذلك ، ودخل عندهم من ملك الإسلام رهبة وعظمة ، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز .

--> ( 1 ) الموطأ « باب النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها » ( 220 ) . ( 2 ) باب « النظر في الصلاة إلى ما يشغلك عنها » ( 223 ) .