ابن فرحون

23

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

ببركة إقامته كثير من البدع المؤسّسة في المسجد الشريف منها : صلاة الرغائب التي روي أنّها تصلّى ليلة أول جمعة من شهر رجب . أدركت القاضي سراج الدين الآتي ذكره يصلّيها في جماعة في الروضة المشرفة بلا نكير ، ولا معارض ، وسنده في ذلك ما رواه فيها وأخذ به كثير من الصوفية ، وقد نص العلماء على أنها من البدع وإن كانت من فضائل الأعمال المسندة لحديث ضعيف « 1 » ، لكنه عارض العمل به بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيام ، ولا يومه بصيام » « 2 » ، ورحمه اللّه وجزاه خيرا . وفي إقامته بالمدينة توفيت زوجته في شهر رجب ، وهي بنت الشيخ ابن أبي حمزة ، وقيل : إنها ورثت سرّ الشيخ والدها نفعنا اللّه به ، وحملت من المدينة إلى عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيد الشهداء ، ودفنت عند شهداء أحد رضي اللّه عنهم ، وقبرها معروف يزار للبركة - رحمها اللّه - . وأما الصاحب زين الدين ، فكانت وفاته بمصر سنة أربع وسبعمائة ، وكان في الزمن الأول مقرئ الحرم ورئيسه ، الشريف الموصلي محمد بن سعيد « 3 » ، فبلغني أنّ شريفا سمع يوما أنّ سعيد يقرأ : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [ التوبة : 101 ] . فضربه برجله وقال : قم يا عدو اللّه ، كم تكذب على اللّه ، وخوّفه بالقتل حتى دخل على بعض الشرفاء فأمنه منه ، وتوفي محمد بن سعيد بمصر سنة تسع وتسعين وستمائة . فنحن اليوم في عافية ، ونعم من اللّه متتالية ، ببركة هذا النبي الكريم

--> ( 1 ) انظر كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني على حديث صلاة الرغائب في « تبيين العجب بما ورد في شهر رجب » ، ص 52 وما بعدها . ( 2 ) روى مسلم في « صحيحه » 2 / 801 ؛ قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام . . . الحديث » . ورواية المصنف للحديث على سبيل الاختصار . ( 3 ) وقع في جميع النسخ العبارة كما يلي : « . . . مقرئ الحرم ورئيسه الشريف الموصلي ومحمد بن سعيد . . . » ، لكن السخاوي في « التحفة اللطيفة » 2 / 480 ذكر أن الشريف الموصلي هو محمد بن سعيد ، ونقل طرفا من هذه القصة عن ابن فرحون ، وسياق العبارة يؤكد ذلك وأن الواو زائدة .