ابن فرحون
24
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
صلى اللّه عليه وسلم ، لو سلمنا من البغضاء التي يتحملها بعضنا في بعض ، أزالها اللّه بالاجتماع والموافقة على الكلمة السنية ، والشريعة العلية . وإنما ذكرت هذه البدع - وإن لم تكن مقصودنا استرسالا عند ذكر ما ابتدع ، لمصلحة ليعلم أنّ الحقّ يدوم بدوام الباعث عليه ، ويزول بزواله ، ولو طال زمانه وكثر اتباعه ، ويعلم أنّ للاجتماع أثرا ، وللتّفريق أشرا ، ولقد كان الأولى بالنّاس اليوم إنكار البدع المتعلّقة بالصلّاة التي هي عماد الدّين . فمن ذلك : ما أحدث في الصفوف من التقطيع ، وتقديم من هو أهل للتقديم ، وتأخير من هو أهل للتأخير ، وتأديب من صلّى وحده مع القدرة على الدخول في الصّفّ . قال ابن حبيب من علمائنا : أدركت بالمدينة رجالا موكّلين بالصفوف ، فإذا رأوا رجلا يصلّي خلف الصّفّ وحده وفي الصّفّ له مدخلّ ، تركوه حتى يفرغ من صلاته ، ثمّ ذهبوا به إلى الحبس ، ومذهب أحمد بن حنبل بطلان الصّلاة ، ولقد رأيت عن يمين الإمام وشماله أهل الصناعات الدنية ، كالدباغ والحداد والجزار ، ومن اشتهر منهم بقلّة الدّين ، وذلك يتكرر منهم كثيرا ، ويليه أيضا من جهة الفقراء من لا يفهم صلاته ، ولا يعقل ما وجب عليه منها وفيها ، ويترك الفقهاء والقراء في أطراف الصفوف ، وخلف تلك الجلوف . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليليني منكم أولو الأحلام والنّهى » « 1 » . قال القاضي أبو بكر بن العربي : ينبغي أن لا يصلي خلف الإمام إلا من يصلح للاستخلاف ، لما يتوقع من حاجة الإمام من يستخلفه ، أو يردّ عليه ، أو يصلح صلاته . قال : ولو سبقه من ليس هو كذلك أقيم ، وقدّم إلى الأمام من هو أحقّ . وأغرب من هذا كلّه أنّه يأتي عاميّ أو جاهل إلى مكان عالم أو فقيه له يصلّي فيه نحو العشرين سنة ، أو أكثر منها فيجلس فيه ، فإذا قيل له : هذا موضع فلان ، يقول : ليس في المسجد موضع لأحد ، وأنا وهو في ذلك
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة « باب تسوية الصفوف وإقامتها » 1 / 323 ( 122 ) .