ابن فرحون

86

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

كفافا ويتصدق بما زاد ، وكان الشيخ عمر الخراز يشتري له إدامه ويحاول هو ذلك بنفسه ، ولم يزل كذلك حتى كفّ بصره ، فعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من الإدام فلم يفعل ، وكان يضع القديرة على كانون فحم ، ويضع فيها ما تيسر ، فإذا طابت أكل ما وجده فيها على أي وجه كان ، وينزل إلى البئر فيملأ الإبريق بنفسه ، فيقول له القيّم أو غيره ممن يعتقده : يا سيدي أنا أكفيك ذلك ، فيأبى ، ولم يزل على هذه الحالة حتى توفّي رحمه اللّه « 1 » . أخبرني جمال الدين المطري رحمه اللّه : أن السنة التي جاء فيها التتر إلى أطراف الشام ، وتحرك عليهم فيها الملك الناصر ، أيقن الناس أنه لا يكون في تلك السنة حاج ، وأن المسلمين اشتغلوا بأنفسهم ، فهمّ الأشراف بالمجاورين والخدام ، وقالوا : نغتالهم ونقتلهم ، ونطيّب المدينة منهم ، وجال الكلام بين الناس ، حتى أرجفوا بالمجاورين والخدام ، قال لي جمال الدين : فجئت إلى الشيخ أبي الربيع في الحرم فقلت : يا سيدي ، ما ترى ما الناس فيه من الوعيد والتهديد ؟ فقال لي : ما يقولون ؟ فقلت : كذا وكذا ، فقال : بل يكذبون ، بل هذه السّنة آمن السنين ، والسلطان طيب ، وسيجيء في هذه السنة ، وكانت سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، قال : فلم نلبث إلا قليلا إذ جاء الخبر بحج السلطان من الشام ، وجاءت الإقامات ، وتهدمت الإرجافات ، وقوي رجال السنة ، والحمد للّه بعد تلك المخافة ، فلله الحمد « 2 » . وأخبرني الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن سالم المكيّ ، أنه كان ساكنا في المدرسة

--> ( 1 ) الخبر بنصه لدى السخاوي نقلا عن ابن فرحون . ( 2 ) الخبر بطوله لدى السخاوي بالنص نقلا عن ابن فرحون .