ابن فرحون

72

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

أنعم ورضي وجعل له بذلك عليه يدا . فلما خرج جمع الشيخ أبو محمد أصحابه ، وحكى لهم ما جرى من الشيخ وكونه لم يقبل الفقراء ، ولم يعزّ عليه وقوفهم بين يديه كاشفين رؤوسهم ، وقبل شفاعة ابن أبي النصر ، فجمعوا خواطرهم عليه فمرض من حينه ، واشتكى حتى طلب منهم التحليل والرضا ، فنفد سهمهم وانقضى فيه الأمر فقضى . أخبرني أقضى القضاة جمال الدين المطري - وكان ملازما خدمتهم ؛ لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم - : أن الشيخ أبا محمد لما دخل مكة المشرفة قصد زيارة الشيخ نجم الدين الأصبهاني ، فلما جلس إليه أراد أن يسأل الشيخ نجم الدين عن اسمه ، فبدره الشيخ نجم الدين ، وقال له : اسمي مكتوب بين عينيك ، ففهم الشيخ مقاله ، وأنه كاشفه ، وأن اسمه كاسمه عبد اللّه رحمهما اللّه . ولما عزمت على التوجه إلى مكة المشرفة في طريق المشيان في حال الشبوبية ، أظنّه عام عشر وسبعمائة ، جاء والدي إلى الشيخ أبي محمد فأخبره بعزيمتي ، فقال له : ابعثه إليّ ، فجئته . فقال : بلغني أنك تريد مكة المشرفة ، فقلت : نعم يا سيدي ؛ لأجل العمرة في رمضان ، فقال لي : من رفيقك ؟ فذكرت له جماعة من الفراشين وغيرهم ، فقال لي : ليس في هؤلاء من هو من جنسك ولا من يليق بك ، ولكان اصبر قليلا حتى ننظر لك ، فقلت له : ضاق الوقت ، وقد دخل شهر رمضان ومضى أكثره ، فقال لي : اسمع ما أقول لك ، فذهبت عنه ووثقت بوعده ، فما كان إلا قليلا إذ ورد المدينة زائرا .