ابن فرحون
39
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
فحمل من الحجر ما يحتاج إليه من أنواعه كلها ، فكانت كالجبال فيما بين بابي الرحمة والسلام ، وأمر بالحفر لها في مكانها اليوم ، فلم ينزلوا إلا قليلا إذ وجدوا باب مروان بن الحكم أسفل من أرض المسجد بقدر قامة ، ثم وجدوا باب فخار ملأى بدراهم مظفرية قد استحالت صفتها من طول مكثها ، ثم وجدوا تحصيب المسجد في أيام مروان بالرمل الأسود يشبه أن يكون من جبل سلع ، وذلك تحصيب عام في سائر مسجدهم القديم ؛ لأنهم لما أسسوا الرواقين اللذين زادهما الملك الناصر شمالي الروضة المقدسة في سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وجدوا ذلك التحصيب ، فوقفت عليه فوجدته يشبه ما وجدوا في أساس المئذنة ، وسمكه نحو ذراعين بالعمل أو أكثر ، ثم إنهم نزلوا في الأساس حتى بلغوا الماء ، وكان بعض المؤرخين يذكر أن هناك مئذنة مشرفة على دار مروان فهدمها غيرة على أهله من مؤذنها ، فلم يجدوا لذلك صحة ولا أثرا البتة . وكان الحريري - رحمه اللّه - مباشرا ذلك كله مجتهدا بنفسه وماله وخدامه ، ثم إنه أمر من كان بالمدينة يتعانى البناية كالشيخ إبراهيم البنا والشيخ علي الفراش ، وغيرهما ممن ليس له في البناية كبير قدم أن يحفروا الأساس ، فحفروه إلى أن ظهر الماء ، وأخرجوا منه شيئا شرب منه الشيخ ، وشرب الناس منه ، يرون ذلك بركة ومسرة وتفاؤلا بتمام العمل ، ثم دكوا الأساس ، فلما جاء الموسم وحضرت الصناع والمعلمون ، كان فيهم المقدم عليهم في البناية والهندسة والدراية . فقال للشيخ : لم استعجلت علينا ؟ . لا نبني على هذا حتى تنقضه جميعه ، فإنا لا نأمن عاقبته ، وألح في نقضه ، فألح الشيخ في تركه على حاله فرجع إلى مصر من حينه ، وقال : أنا أخشى من الدرك ، وما يلحقني في صنعتي من