ابن فرحون
40
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
العيب ، فقال الشيخ لمن كان معه من المعلمين : اعملوا عملكم واللّه تعالى يتممه ببركة هذا النبي الكريم ، فعملوها على ما هي اليوم عليه ، وعم نفعها وعظم أجرها ، وصارت في صحيفة من سعى فيها ، والعمل اليوم عليها ؛ لأنها متوسطة المدينة حتى إن رئيس المؤذنين محمد بن إبراهيم قال لي - رحمه اللّه : لو تركت لي هذه المئذنة لكفت المدينة ، وهو الحق ، فإن المدينة من جهة الشمال قليلة العرض ، وإنما امتدادها وقوة عمارتها وكثرة أبياتها من جهة الغرب ، وكانت عمارتها في سنة ست وسبعمائة . وإنما ذكرت حكاية المئذنة ؛ لأن ذكرها مما نحن بسبيله من المحدثات في المسجد للمصلحة العامة للمسلمين . ومما للشيخ الحريري من الآثار الحسنة : تبطيل الطوف بالشعل من جريد النخل وتبديلها بالفوانيس التي يطوفون بها اليوم كل ليلة بعد صلاة العشاء الأخيرة ، وذلك أنهم كانوا قبل الحريري وصدرا من ولايته يأخذ عبيد الخدام وبعض الفراشين شعلا من سعف ، فيطوفون بها عوض الفوانيس يجرون بها كأشد ما يكون من الجري ، فإن وصلوا باب النساء خرجوا بها ، وخبطوا بما بقي معهم منها ، فكانت تسود المسجد وتسود بابه أيضا ، وفيها من البشاعة ما لا يخفى ، فأمر بالفوانيس عوضا ، وترتبت في صحيفته - رحمه اللّه تعالى - وكان يوالي المجاورين ويحسن إليهم ويقضي حوائجهم . وسيأتي فعله مع المجاورين حين أمر الأمير منصور بإخراجهم وارتحالهم بأولادهم وعيالهم ، ومناقبه كثيرة ، وحسناته عديدة ، توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة .