ابن فرحون

4

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وكذلك أثنى عليه المجد الفيروزآبادي في كتابه المغانم المطابة 3 / 125 ، بقوله : وأول من رأيته ، ووقع نظري عليه من أهل العلم بالحرم الشريف وذلك في حوالي الخمسين والسبعمائة فشاهدت منه طود وقار ، وعليم علم لا يهتدى إلى تيار مائه اختفار ، وغزارة فضل للناس . . . وكانت مشاركته في أصول الدين مشاركة حسنة ، وحدّث ودرّس بالحرم النبوي وأفاد أكثر من خمسين سنة ، وانفرد آخر عمره بعلو الإسناد ، ولم يكن بالمدينة أعلى سندا منه ، وإليه انتهت الرياسة بالمدينة المنورة . وكان كهفا لأهل السّنّة ، يذبّ عنهم ، ويناضل الأمراء والأشراف ، وانتهى به ذلك إلى أن امتحن ورصد في السّحر في طريق الحرم ؛ فطعن طعنة عظيمة أريد بها قتله ، فصرف اللّه عنه شرّها ، وعافاه منها . وكان عليه مدار أمور الناس بالمدينة النبوية ، وناب في القضاء نحو أربع وعشرين سنة ، وأمّ في المحراب النبوي بعض الصلوات ، ودعي إلى أن يقوم بالخطابة والإمامة نائبا فامتنع ؛ إعظاما للمقام النبوي . وكان كثير التلاوة ليلا ونهارا ، خصوصا في آخر عمره ، حتى إنه شوهد في أيام الموسم والناس في أشد ما هم فيه من الاشتغال ، وهو مشغول بورده في التلاوة ، لا يقطعه عنه شيء . وكان يحيي غالبا الثلث الأخير من الليل بالصلاة والتلاوة مع حداثة سنه إلى أن ثقل بمرض الموت . وكان مواظبا على الصلوات في الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة ، وما يفتح باب الحرم في السّحر إلا وهو على الباب ، وحجّ نحو خمس وخمسين