ابن فرحون
5
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
حجة ولم يخرج من المدينة إلا إلى مكة المشرفة للحج إلى أن مات بالمدينة . وكان ممن جمع اللّه تعالى له العلم والعمل ، والدنيا والدين ، فكان أعظم أهل المدينة يسارا ، وأكثرهم عقارا ، وأوسعهم جاها ، وأنفذهم كلمة ، وأعظمهم حرمة ، وألينهم عريكة ، وأحسنهم بشاشة وبشرا ، صبورا على الأذى ، يجزي بالحسنة السيئة ، ويسع الناس بخلقه ، ويواسي الفقراء بمعروفه ، ويصل أعداءه ببره ، ويحفظ من مات منهم في ذريته . وبهمته وسياسته أزال اللّه تعالى أحكام الطائفة الإمامية من المدينة ، فعزلت قضاتهم ، وانكسرت شوكتهم ، وخمدت نارهم ، وذلك أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست وأربعين وسبعمائة ، سعى في عزل قضاتهم ؛ فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم ، والإعراض عن حكّامهم . فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السّنّة ، وعلوّ أمرهم ، وكم له من حسنات في تمهيد إعزاز السّنّة ، وإخماد البدعة ! ! وله تآليف عديدة في أنواع شتى ، ذكر كثيرا منها ابن أخيه البرهان بن علي في طبقات المالكية له . وترجم له السخاوي في التحفة اللطيفة 2 / 403 ترجمة حافلة . وقد ظلّ ابن فرحون لفترات طويلة تجاوزت عصره من أبرز وجوه المدينة الفكرية لدى مؤرخي المدينة وغيرهم ، وقد تجلى ذلك حين اعتمدت المؤلفات اللاحقة على كتاباته إلى حدّ بعيد . فاستعان الفاسي ( ت 832 ه ) بكتابات ابن فرحون في كتابه : العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين .