ابن فرحون
30
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
ولما كسرت رباعيته وشجّ وجهه يوم أحد ، قيل له : يا رسول اللّه ! لو دعوت عليهم ؟ فقال : « إني لم أبعث لعّانا ، ولكن بعثت داعيا ورحمة لهم ، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » « 1 » . قال القاضي عياض : انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ( ودرجات الإحسانو حسن الخلق ، وكرم النفس وغاية الصبر والحلم ، إذ لم يقتصر صلى اللّه عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا ، ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم . فقال : " اللهم ( اغفر أواهد " ، ثم أظهر سبب تلك الشفقة عليهم والرحمة بقوله : " لقومي " ثم اعتذر عنهم بجهلهم « 2 » . ولما قال له الرجل : اعدل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه ، لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله ، ووعظ نفسه وذكّرها بما قال له « 3 » . [ عظيم عفوه وصفحه صلى الله عليه وآله وسلم ] ومن عظيم عفوه وصفحه : عفوه عن اليهودي الذي سحره ، وعفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة ، وكفه عن المنافقين مع علمه بنفاقهم وسوء نيّاتهم ، وعفوه عن الأعرابي الذي جبذه بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه الشريف « 4 » . ولما أظهره اللّه على قريش ، لم يشكّوا في استئصال ساقتهم ، وإبادة خضرائهم ، فعفا عنهم ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما تقولون إني فاعل بكم » ؟ فقالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم .
--> ( 1 ) الشفاء 1 / 72 - 73 . ( 2 ) الشفاء 1 / 73 وما بين حاصرتين منه . ( 3 ) الشفاء 1 / 73 . ( 4 ) الشفاء 1 / 74 .