ابن فرحون
306
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
إغارة بعد إغارة . ولما استقر الأمير منصور في المدينة نزل من الحصن وجلس في وسط الحرم ، وقال : اجمعوا كل من في المدينة من المجاورين والخدام فجمعوا ، وكأنه تخيل أنّ ما جرى عليه من المسك والاعتقال كان عن مكاتبة من الخدام والمجاورين . ثم قال لكل من الحاضرين : ما اسمك ، فإذا عرفه قال له : ما بلدك ؟ فإذا أخبره قال له : دونك بلدك ، فإن تخلفت حلّ مالك ودمك . وتبعهم بهذا الكلام واحدا واحدا ، ثم قام فحصل للناس همّ وغمّ ، وبقوا في شدة عظيمة خصوصا من له عيال . فقال لهم شيخ الخدام الحريري : لا يهمنكم ما وقع ، من كان معه شيء فليكتر لنفسه ، ومن كان فقيرا فأنا أحمله وأحمل عياله حتى تبلغوا مأمنكم ، وبعث لبني سالم وغيرهم من العربان يأتونه بالجمال . وكان للأمير منصور زوجة صالحة ، فقالت له : يا منصور هب أنك تسلم من الملك الناصر ، ألا تخاف من يسمع بذلك من العربان كآل فضل وخالد وبني لأم ، فإنهم يرون هذا منا كفرا . ولم تزل به حتى أرسل إلى الجماعة بأنهم يستقرون على أنهم لا يكتبون فيه ، ولا يشهدون عليه . وكان بعض الشياطين أشار عليه بأن يأخذ الخمس من الناس ، فوكل بذلك شخصا من أهل الشر يزعم أنه من كبار المجاورين الناصحين لهم ، فكان يأتي الرجل الصالح في رباطه والمرأة الصالحة في رباطها فيقول : كم جاءك يا فلان في هذه السنة من الصدقة . فيقول له : كذا وكذا . فيكتب ما قيل له ويزيد عليه ، ويتتبع الوظائف كلها