ابن فرحون
299
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
ومناقبه قد صنفت فيها مصنفات عديدة ، ولا شك أن سيرته وسيرة الملك العادل حجة اللّه تعالى على من بعدهما من الملوك والأمراء وغيرهم ، ولهذا ذكرت هذه النبذة اليسيرة ، ليتنبه بها من يقف عليها واللّه الموفق . وفي أيامه رحمه اللّه ركب الفرنج من الأمر العظيم فكرا وافتضوا من البحر طريقا بكرا ، وذلك أنهم عمروا مراكب حربية وشحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد ووجهوها إلى سواحل الحجاز ، فبعضهم توجه إلى عيذاب ، وأذاقوا أهلها العذاب ، وأسروا تجار اليمن ، ونهبوا ما معهم ، وبعضهم توجه إلى أرض الحجاز . وكان الذي فعل ذلك الإبرنس صاحب الكرك ، وذلك أنه لما صعب عليه ما يواليه من ممالك السلطان صلاح الدين ، أعمل الحيلة فبنى سفنا وأتقنها ، ثم نقل أخشابا إلى الساحل ثم ركب المراكب هناك وعمرها . فلما توجهوا إلى أرض الحجاز ، أشرف أهل المدينة على الخطر ، ووصل إلى مصر الخبر ، وبها الملك العادل أخو صلاح الدين نائبا عنه ، فاشتد حزن المسلمين لفناء بيت اللّه الحرام ، ومقام خليله الأكرم ، وضريح نبيه الأعظم ، فجهّز الملك العادل مراكب في البحر وشحنها بالمقاتلة أهل النخوة للدين ، والحمية البائعين للّه تعالى أنفسهم ، فقصدوهم ، وكانوا قد افترقوا فرقتين كما تقدم ، فألقوا المراكب التي توجهت إلى الحجاز في أرض رابغ ، ومن جهة ينبع في أرض الحوراء والآخرين في عيذاب ، فواقعوهم وأوقعوا بهم فظفرهم اللّه بجميعهم ، وتبعوهم « 1 » في الجبال والشعاب وحاصروهم حتى أمكنهم اللّه منهم ولم
--> ( 1 ) في المطبوع ( وتبعهم ) .