ابن فرحون

103

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

العلم وتفسد النيّة ، وهذا اليوم حاكم وأنا من طبعي وعادتي أني لا أناصي أحدا ، ولو كان لي ولدا . فقال له : الترك أسهل عليك ، وعلينا أسلم لنا إذا عجزنا . فعاد والدي إلى عادته من تدريس جماعته وتركه ، ولم يعاوده ولم يجتمع به فساءه ذلك واغتاظ ، وأمر القيّم أن يخرج من بالمدرسة من المالكية ولا يفرش لهم ، ولا يتركهم يسكنون فيها حتى يرجعوا عن رأيهم ويحضروا على عادتهم معه ، فترك والدي حينئذ المدرسة والتدريس بها ، واشتغل بنفسه وبحاله . فقال له الشيخ أبو عبد اللّه : ما هذا رأي اجلس للجماعة بالمسجد ، وادع للواقف الذي أنشأ المدرسة ، ولا تقطع الجماعة وإفادتهم حتى يقضي اللّه بما فيه الخيرة لهم . فأطاعه والدي ، وأخرج النقيب المالكية من المدرسة ، فمنهم من انتقل إلى الربط ، ومنهم من سكن بالكرى ، ومنهم من طلب السفر . ثم جلس والدي في المسجد فاجتمع عليه في المسجد خلق كثير ، فكان السّرّاج يمر على والدي ويرى حلقته وكثرة جماعته فيسوءه ذلك ، وخشي على نفسه أن يسمع عنه أن أخرج الفقهاء من المدرسة لأجل الهوى ، وتعب قلبه لذلك . فجمع أصحابه ، وقال لهم : يا أصحابنا هؤلاء الجماعة قدناهم إلينا بالسلاسل فلم ينقادوا ، وما يعود انفرادهم في المسجد علينا بخير ، والرأي عندي أن يرجعوا إلى المدرسة ونحن إلينا المرجع في العلوم ، فنعطيهم ما نشاء ونحكم عليهم ونضيّق عليهم فلعلهم يرجعون إلينا . وأرسل إلى والدي . وقال له : ارجعوا إلى مكانكم وقوموا بما يجب عليكم ، فلي النظر والتفقد على الطلبة ، فلم يرع كلامه والدي ، ورجع ودرّس على