ابن القلانسي
123
تاريخ دمشق
لك الندم وتحل بك النقم « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها » « 1 » وإن مثلك مثل شاة عطشانة ولهانة ضائعة جائعة ، نزلت في مرج أفيح ، غزير ماءه ، كثير عشبه ( 48 ظ ) ومرعاه ، فشربت ماء ، وأكلت عشبا ، فرويت بعد ظمائها ، وشبعت بعد جوعها ، واستحسنت بعد قبحها ، فلما تكامل حسنها ، ذبحت « وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » « 2 » وإن أمير المؤمنين يضرب لك مثلا عن جده المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما أنزل عليه « وَالضُّحى ، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » إلى قوله عزّ وجل : « أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى » « 3 » ، فبدلت النعمة كفرا ، ووضعت موضع الخير شرّا ، وقد انتهى إلى حضرة أمير المؤمنين افتخارك بجمع الأموال واكتنازك لها لأمر يدهمك ، أو ليوم ينفعك « 4 » ، أفما قرأت القرآن العظيم ، أما تدبرت قول الملك الرحيم في قصة قارون لما بغى واعتدى ، وازداد في الطغيان ، حيث يقول جلّ وعلا : « فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ » « 5 » أما رأيت الأمم الماضية الذين عادوا الدولة ، ونصبوا لها العداوة الشديدة ، انظر إلى ديارهم كيف قلّ فيها الساكنون ، وكثر عليها الباكون ، قال اللّه تعالى : « فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » « 6 » فاشتغل عن إصلاح العين ، وعن خطرك في حساب
--> ( 1 ) القرآن الكريم - البقرة : 26 . ( 2 ) القرآن الكريم - إبراهيم : 25 . ( 3 ) القرآن الكريم - الضحى : 1 - 8 . ( 4 ) قدر المقريزي في ترجمته للدزبري ثروته بأكثر من مليون دينار ، وبين أنه « في آخر عمره ، انحرف عن مذهب الإسماعيلية ، وكان هذا أعظم أسباب الوحشة بينه وبين أهل الدولة بمصر » . ( 5 ) القرآن الكريم - القصص : 81 . ( 6 ) القرآن الكريم - النمل : 52 .