ابن القلانسي
124
تاريخ دمشق
الفرقدين ، وافتكر في رب المشرقين ورب المغربين ، حيث يقول جل جلاله : « أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ . وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » « 1 » وقد عرف أمير المؤمنين بكتاب اللّه الأعلى ، الذي نزل على خاتم الأنبياء حيث يقول : « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » « 2 » . فلما سمع ما اشتمل عليه هذا السجل من الإنكار والوعظ بالآيات والتخويف ، عظم الأمر عليه وضاق صدره لتغير النية فيه ، ورأى من الصواب إعادة الجواب بالتلطف والتنصّل مما ظن به ، والاعتذار والترفق في المقال ، والاعتراف بما شمله قديما وحديثا من الاحسان والافضال ، فكتب بعد البسملة : كتب عبد الدولة العلوية والإمامية الفاطمية ، والخلافة المهدية ، عن سلامة تحت ظلها ، ونعمة منوطة بكفلها ، وهو متبرىء إليها من ذنوبه الموبقة ، وإسائته المرهقة ، لائذ بعفو أمير المؤمنين متنصل أن يكون في جملة المجرمين المذنبين ، عن غير إساءة اقترفها ، ولا جناية احتقبها ، عائذ بكرمها ، صابر لحكمها ، لقوله تعالى : « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » « 3 » وهو تحت خوف ورجاء ، وتضرع ودعاء ، قد ذلّت نفسه ( 49 ظ ) بعد عزّها ، وخافت بعد أمنها ، ورسخت بعد رفعتها ، « وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ » « 4 » وأي قرب لمن أبعدته ، وأي رفعة لمن حططته ، والعبد بفخرها شمخ ، وبجدها طال وبذخ ، فزكت نصبته ، وطابت أرومته ، وسمت فروعه ، وكان كقوله تعالى : « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها » « 5 » فلما أنكرت الدولة حاله ، وقبحت أفعاله ،
--> ( 1 ) القرآن الكريم - البلد : 8 - 10 . ( 2 ) القرآن الكريم - الشعراء : 227 . ( 3 ) القرآن الكريم - البقرة : 155 . ( 4 ) القرآن الكريم - الرعد : 33 . ( 5 ) القرآن الكريم - إبراهيم : 24 - 25 .