الرقيق القيرواني

46

تاريخ افريقية والمغرب

برقة وأصابوا منها سبيا ، ومن الأموال شيئا عظيما ، وقتلوا وسبوا ، ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية إلى برقة فأخبروه الخبر ، فأمر العسكر أن يمضوا على الطريق ، وأخذ على ساحل البحر في عدة من أشراف الناس مجدين مبادرين ، رجاء أن يدرك سبى المسلمين ، فأشرف على الرّوم فرآهم في خلق عظيم فلم يقدر على الرّجوع ، واستغاث به المسلمون وصاحوا ، والروم يدخلونهم المراكب ، فنادى بأصحابه : « النزول رحمكم الله ! » فنزلوا ، وكانوا رؤساء العابدين وأشراف العرب ، فنزل إليهم الروم فتلقوهّم بعددّ عظيم ، والتحم القتال وأعانوا بعضهم بعضا ، وتكاثر عليهم الروم ، فقتلوا زهيرا - رحمه الله - ومن معه من المسلمين جميعا ، فما أفلت منهم رجل ، وأدخلت الروم الخيل والسلاح والسبي وما أصابوه من برقة ، وانقلبوا وافرين يريدون ملك القسطنطينية . ومضى المسلمون إلى دمشق ، فدخلوا على عبد الملك ، فأخبروه أن أميرهم وأشراف رجالهم قد استشهدوا ، فعظم ذلك عليه ، وبلغ منه لفضله ودينه ، وكانت مصيبته مثل مصيبة عقبة - رحمهم الله - على الناس ، واجتمع أشراف المسلمين ، وسألوا عبد الملك بن مروان أن ينظر إلى إفريقية من يسد ثغرها ، ويصلح أمرها . فقال لهم عبد الملك : « ما اعرف أحد كفؤا لإفريقية كحسّان بن النعمان الغسانىّ . ولاية حسان بن النعمان الغساني [ وجميع ] من بإفريقية منها [ - أي الكاهنة - ] خائفون والبربر لها مطيعون ، وإن قتلتها يئس البربر والروم بعدها أن يكون لهم ملجأ حتى يلقوا بأيديهم في يدك ، فيدين لك الغرب كله ، فلما سمع ذلك من أهل إفريقية توجه إليها يريدها ، فلمّا كان موضعا قريبا من مجّانة ، عرف أن الروم قد تحصّنوا بقلعتها فمضى ولم يعرض لها ، وبلغ الكاهنة أمره ، فرحلت من جبل أوراس بعدد لا يحصى فسبقته إلى مدينة باغاية ، وأخرجت منها الرّوم ، وهدمت حصنها ، وظنّت أن حسان إنما يريد حصنها يتحصّن فيه ، وأقبل حسان حين بلغه الخبر فنزل بوادي مسكيانة ، ورجعت الكاهنة إليه تريده وخرج حسّان حتى خرج بين