الرقيق القيرواني

45

تاريخ افريقية والمغرب

وقال لهم : « إني أردت أن أرحل إلى ممس « 1 » فأنزلها ، فإن هذه المدينة فيها خلق عظيم من المسلمين ولهم علينا عهد ، فلا نغدر بهم ونحن نخاف إذا التحم القتال أن يثبوا علينا ، ولكن ننزل ممس على ماء كثير يحمل عسكرنا ، فإنّ معنا خلقا عظيما فإن هزمناهم دخلنا معهم إلى طرابلس وقطعنا دابرهم من الدنيا ؛ تكون لنا إفريقية دارا إلى آخر الدهر ، وإن هزمونا كان الجبل منا قريبا الشعراء [ ه ] فنرجو ألّا نهلك ولا يفقد منا إلّا قليل فوافقوه فرحل إلى ممس فنزلها . وبلغ ذلك زهير فلم يدخل القيروان ونزل على باب سالم وأقام ثلاثة أيام حتى استراح وأراح من معه وزحف في اليوم الرابع ، ووقف على كسيلة وعسكره آخر النهار فأمر الناس بالنزول ، فنزلوا وبات الناس على مصافّهم ، ووقفت خيول القوم بعضهم إلى بعض طول الليل فلما أصبح صلى مغلّسا ثم زحف إليه . وأقبل كسيلة ومن معه والتحموا في القتال ونزل الصّبر وكثر القتل في الفريقين ، حتى يئس الناس من الحياة فلم يزالوا كذلك حتى انهزم كسيلة ، وقتل بممس ولم يجاوزها . ومضى النّاس في طلب الروم والبربر ، فلحقوا كثيرا منهم بمزرعة « ملمجنة » وألحوا فيهم وجدّوا في طلبهم ، حتى سقوا خيلهم من الوادي المعروف بملوّية من المغرب ، ففي تلك الواقعة هلك رجال الرّوم والمشركين من البربر وفرسانهم وأشرافهم ، ففزع منه أهل إفريقية ، واشتد خوفهم ، فلجأوا إلى الحصون والقلاع ، ثم إنّ زهيرا رأى بإفريقية ملكا عظيما فخاف أن يقيم ، وقال : « إنّى قدمت إلى الجهاد ، وأخاف أن تميل بي الدنيا فأهلك ، ولست أرضى بملكها ورغد عيشها » . وكان من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين - رضي الله عنهم - فنزل القيروان وأقام بها كثير من أصحابه . ورحل زهير قافلا إلى المشرق في خلق عظيم ، وقد كان بلغ الروم خروج زهير من برقة إلى إفريقية لقتال الرّوم ، فأمكنهم ما يريدون فخرجوا إليها في مراكب كثيرة ، فأغاروا على

--> ( 1 ) بالفتح والسكون والسين مهملة مقصورة قرية بالمغرب .