الرقيق القيرواني
44
تاريخ افريقية والمغرب
« تارودانت » فانتهى إلى أوائلهم ، فتلقوه في عدة عظيمة ، وقتلهم قتلا ذريعا ، وهرب بقيتهم ، وافترقت خيله في طلبهم إلى كل موضع هربوا إليه من الأرض لا يزمّهم أحد ومضى كذلك حتى دخل السوس الأقصى ، فاجتمع به البربر في عدد لا يحصى فلقيهم ، فقاتلهم قتالا شديدا ما سمع أهل المغرب بمثله ، وقتل منهم خلقا عظيما ، وأصاب منهم نساء لم ير الناس في الدنيا مثلهنّ ، فقيل : إن الجارية منهنّ كانت تبلغ بالمشرق ألف [ دينار وهربوا بين يديه . . ] فخرجت العرب منها ، ولم يكن لهم بقتاله طاقة ، لعظيم ما اجتمع معه من البربر والروم ، وأسلموا القيروان وبقي بها أصحاب الذراري والأثقال فأرسلوا إلى كسيلة : يسألونه الأمان وأجابهم ، وأقام كسيلة حتى نزل القيروان وأقام أميرا على إفريقية ، وقد بقي من بقي من المسلمين تحت يده ، فما زال على ذلك إلى أن ولى عبد الملك بن مروان فاشتدّ سلطان بنى أمية وعظم أمرهم ، واجتمع إليه أكابر المسلمين فسألوه في قيروان إفريقية أن يخلصها ومن فيها من المسلمين من يد كسيلة بن ليوم ، وأن يرد بها الإسلام عزيزا كما كان ، فقال لهم : « لا يصلح للطّلب بدم عقبة من المشركين وكفرة البربر إلّا من هو مثله في دين الله » فأتفق رأيه على زهير بن قيس البلوى ، وقالوا : « هو صاحب عقبة واعرف الناس بسيرته وتدبيره ، وأولاهم بطلب ثأره وكان زهير مقيما ببرقة مرابطا مع أهل من إفريقية ، فوجّه إليه عبد الملك يأمره بالخروج على أعنة الخيل إلى إفريقية ليستنقذ القيروان ومن فيها من المسلمين ، وكتب له قيس بن زهير : يعرّفه بكثرة من اجتمع إلى كسيلة من البربر والروم ، ويستمّده الرجال والأموال ، فوجّه إليه وجوه أصل الشام . ولاية زهير بن قيس البلوى فلمّا حشد له وجوه الرّجال من العرب ، وبعث إليه الأموال وتسرّع الناس معه ، ووفّدت عليه الجنود ، أقبل في عسكر عظيم ، يريد إفريقية ، فلمّا دنا من مدينة القيروان ، وذلك في سنة سبع وستين وبلغ كسيلة بن ليوم الأوربى قدوم زهير عليه . . لا نهاية له ، وكان كسيلة في خلق عظيم من البربر والروم ، دعا أشرافهم وأكابرهم فشاورهم