اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

89

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

اليوناني كان ذا أثر جوهري في ابتداء الجغرافيا الرياضية عند العرب ولكنه كما أبصرنا لم يطرد التراث الهندي الإيراني نهائيا . بل إن التجديد المأموني بنتائجه الفذة يجب اعتباره إلى حد ما رد فعل ضد السيادة المطلقة للنفوذ اليوناني . وعلى العموم فقد عرفت الجغرافيا العربية على الدوام ازدواجا معينا نشأ من غلبة أحد مصنفين على الآخر ، إما « المدخل إلى الجغرافيا « لبطلميوس ، أو « الجداول المبسطة » المنسوبة إليه ، والتي يرجح أنها من عمل ثاون . ويتمثل هذا الازدواج بوضوح كبير في الاختلاف الذي يمكن ملاحظته بين « الجداول المأمونية » ، التي يمكن أن يضم إليها رسالة الفرغاني وبين « صورة الأرض » للخوارزمي 173 . وإذا أمكن القول بأن التأثير اليوناني على الجغرافيا العربية هو المسؤول عن ظهور أربعة آثار فذة في الفترة الأولى من تاريخ ذلك العلم عند العرب ، وهي « خارطة المأمون » و « كتاب الملحمة » المنحول و « صورة الأرض » للخوارزمي وترجمة « جغرافيا » من عمل ثابت بن قرة ، فإن الأول من بينها فقط هو الذي يطابق في جوهره « الجداول المبسطة » لثاون ، بينما ترجع الثلاثة الباقية بأجمعها إلى جغرافيا بطلميوس في ترجمتها السابقة للترجمة العربية ، ومع تغييرات جوهرية في مضمون الكتاب وتبويبه على ما يلوح . أما في كتاب الملحمة فنلمس محاولة للتوفيق بين العناصر البطلميوسية والعربية 174 ، كما نلمس في « صورة الأرض » محاولة للتوفيق بين خارطة المأمون وخارطات بطلميوس ( 175 ) . هذا وسيبقى أبدا عدد كبير من مسائل تاريخ الفترة الأولى للجغرافيا العلمية عند العرب غامضا بالنسبة لنا ، ذلك أن الآثار العربية الأولى في هذا الميدان لم تصلنا ولا يمكن الحكم عليها إلا من خلال الاقتباسات المضطربة والإشارات العابرة التي قام بها علماء لم يكن بمقدورهم أن يعملوا حسابا لمطالب العصر الحديث . وهذا بدوره يدفعنا إلى الإمعان في تقديرنا للأثر الوحيد الذي خلفه لنا هذا العصر ، أعنى الترجمة المصلحة لجغرافيا بطلميوس لمحمد الخوارزمي التي يمكن اعتبارها أول مصنف عربى في الجغرافيا نعرفه معرفة مباشرة .