اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

86

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

يرتبط باسمه إصلاح مقياس النيل . والأمر الذي لا يتطرق إليه الشك هو أن الفرغاني قد عاش في النصف الأول من القرن التاسع وأن آخر ذكر له يرجع إلى عام 247 ه - 661 150 . وفي رسالته هذه يعطى الفرغاني موجزا للمبادئ الأولية في الفلك معتمدا على النظرية اليونانية في الأساس ، دون أن يورد أية قواعد هندسية معقدة . ويهمنا في هذا الصدد أنه أرفق برسالته هذه جدولا يبين الأماكن الهامة موزعة وفقا للأقاليم السبعة من الشرق إلى الغرب مع تحديد مواقعها الجغرافية ؛ وهذا الجدول كما أثبت البحث يمثل اقتباسا للفصول الخاصة بذلك في « الزيج المأموني » مما يسهل الحكم على الأخير إلى حد ما 151 . وبفضل الفرغاني أخذ الغرب فكرة مبكرة عن « الزيج المأموني » فقد ترجمت رسالة الفرغاني مرتين إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر ، كما ترجمت في القرن الثالث عشر إلى لغات أوروبية أخرى ، وقد تمتعت بانتشار واسع وكانت معروفة جيدا لدانتى 152 ، وتعتبر الترجمة اللاتينية التي طبعت بفرارا Ferrara عام 1493 من أوائل ما عرفه فن الطباعة في أوروبا 153 . وفضلا عن ذلك فإن الفرغاني يعتبر أول فلكى عربى تعرف عليه العالم الأوروبى في متنه الأصلي وذلك بفضل الطبعة الممتازة بالنسبة لعصرها والترجمة اللاتينية الجديدة للمستعرب والرياضى الهولندي يعقوب غوليوس Jacob Golius في عام 1669 . هذا وقد استمر صيته حيا في أوروبا كمنجم إلى القرن الثامن عشر . وإلى جانب « الزيج المأموني » والترجمات العديدة المعدلة لمصنفات بطلميوس يقدم لنا هذا العصر المبكر لازدهار العلوم العربية أثرا ممتازا من الآثار الجغرافية هو ما يسمى « الصورة ( أي الخارطة ) المأمونية » ؛ وبالطبع لم تحفظ لنا منها آثار أو بقايا مباشرة . غير أنه في الوقت الذي أحاط بذكر - - خارطات العصر الأموي من حين لآخر أساطير وخرافات لا تستند على أساس من الواقع فإن معلوماتنا عن خارطة المأمون صحيحة بدرجة تسمح لنا بتكوين فكرة ما عنها ، وهي ترتبط كما هو متوقع بخارطات بطلميوس وبخارطات مارينوس الصوري التي لم تصل إلينا . وقد رأى كل هذا بعيني رأسه المسعودي في القرن العاشر ووصفه في مصنفه الأخير الذي يعرض فيه بعض الشئ لنشاط حياته العام ، فقال : « ورأيت هذه الأقاليم مصورة في غير كتاب بأنواع الأصباغ وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا لمارينوس وتفسير جغرافيا قطع الأرض 154 وفي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون واجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره صور فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره وغامره ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك وهي أحسن مما تقدمها من جغرافيا بطلميوس وجغرافيا مارينوس وغيرهما » 155 . ومن العسير علينا بالطبع استكناه الطريقة الفنية التي اتبعت في عمل الخارطة المأمونية ، ولكن هناك ما يحملنا على الافتراض بأنها تتلخص في مصور جغرافى موضحة عليه « أسماء الأقطار والمدن المعروفة في كل إقليم » طبقا للقسم المماثل من « زيج المأمون » . وفيها تم نهائيا استبدال الأسماء الكلاسيكية بأسماء عربية ،